قراءة موضوعية في خطاب الوداع: علي عبد الله صالح وشهادته الأخيرة للجمهورية
فتحي ابو النصر
-1-
في خطابه الأخير، الممهور بالألم والدم، كان يتحدث الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح من قلب النار، لا باعتباره رجل سلطة، بل كصوت جمهوري مخنوق، وقائد جريح ينزع عن نفسه رداء الزعامة ليتكلم بلسان اليمني المجروح، المستغيث من ظلم جماعة استغلت الشراكة لتغدر، وتحالفت باسم الدين لتنهب وتقتل وتُعيد اليمن قرونا إلى الوراء.
وأنا استعيد السماع لهذا الخطاب وقراءته لأسباب ما يعانيه الصف الجمهوري من تصدعات وخصومات سياسية رأيت ليس مجرد بيان سياسي، بل وصية وطنية.
فصالح فيه لا يدافع عن نفسه كشخص، بل عن مشروع: الجمهورية، الدولة، الحرية، الكرامة. بل إنه إعلان صريح بأن المشروع ال..حوثي ليس سوى استعادة لنظام الإمامة البائد، لكن بوجه أكثر قبحا وتخلفا. فيما يشبه كهنوت الحوثيين بثقل كهنوت الأئمة أضعافا، بل ويذهب أبعد حين يقر بأن الح..وثيين فاقوا آل حميد الدين ظلما وفسادا.
ولقد صرخ صالح بنداء يائس إلى الشعب:
"ثور.. ثور.. ثور"
وهي ليست دعوة للثأر الشخصي، بل نداء استنهاض تاريخي من رجل يعرف تماما أن الجمهورية تنهار، وأن الدولة تُختطف.
لكن أشد ما لفتني في خطابه هو التحول الجذري في خطابه السياسي. من موقع الحليف السابق للحو.ظثيين، ينتقل إلى موقع العدو الواضح لهم، ويفضح تآمرهم على الدولة ومؤسساتها، وعلى الشعب نفسه.
كما يكشف أن ما يحدث في صنعاء ليس "خلافا سياسيا"، بل عدوان طائفي عنصري على كل ما تبقى من روح الدولة اليمنية.
وفي هذا السياق، يتحدث بلغة صريحة عن:
نهب المؤسسات والخزينة العامة.
إذلال الناس باسم "الملزمة".
استبدال الدولة بالجماعة.
التمييز العنصري الفج بين "قناديل" و"زنابيل".
التجرد من السلطة ومخاطبة الضمير الشعبي
بمعنى أدق كان صالح يدرك للمرة الأخيرة أن السلطة لم تعد غايته، بل كرامة الوطن. يقول:
"إذا كتب الله لي الشهادة، فأنا في مسكني، وفي وطني، غير عميل".
بهذه العبارة، يختصر مأساة اليمن وخيانتها من الداخل، ويؤكد أن موته سيكون على أرضه، لا في فنادق الخارج، ولا في كنف أي وصاية دولية.
والملفت رسالته إلى التحالف.. وإلى الهاشميين الشرفاء،
إذ دعا صالح التحالف العربي إلى مراجعة مساره، ووضع تصورا لحل انتقالي ديمقراطي، يعيد الدولة إلى الشعب. كما ميز بذكاء غير عنصري بين "الهاشميين الوطنيين" الذين كانوا في طليعة ثورة سبتمبر، وبين الكهنوت الطائفي الحو..ثي الذي يحاول إعادة الإمامة بثوب الجمهورية.
وتذكيرا ففي خطاب في الهزيع الأخير من الليل، من منزل مُحاصر يُقصف، ليس له طابع سياسي بقدر ما هو اعتراف أخير، وتعرية كاملة لمن سرقوا اليمن من تاريخها.
وفي هذا السياق، لم يكن صالح يتحدث كشخصية سياسية، بل كرمز لجمهورية تتعرض للاغتيال.
على إن هذا الخطاب هو آخر طلقات رجل عاش ومات في قلب العاصفة، أراد أن يُسجل للتاريخ أن الح..وثي ليس مشروع دولة، بل مشروع موت، وأنه لم يكن عميلا ولا متسولا ولا تابعا، بل ابن اليمن الذي وقف في وجه الجميع، ودفع الثمن من دمه.
طبعا ربما أخطأ صالح كثيرا في تحالفاته، وربما خانته الحسابات السياسية، لكنه في اللحظة التي اختار فيها الشهادة على الخنوع، أعاد تعريف نفسه: ليس كرئيس سابق، بل كجندي أخير في معركة الجمهورية.
"تحية لك أيها الشعب.. وداعا."هكذا قال محتدم الضمير والعقل في لحظاته الأخيرة.
وهي ليست كلمات وداع فقط. بل وصية لليمنيين كافة: أن الوطن لا يُحكم بالسلالة، وأن الكرامة لا تُستعاد بالسكوت.
-2-
برأيي فإن خطاب صالح الأخير،كان لحظة التعرية الكاملة لمشروع الموت الحوثي.
وبلاشك في اللحظات الأخيرة من حياته، خرج الرئيس اليمني الأسبق بهذا الخطاب الذي لا يشبه شيئا مما قاله من قبل. إذ لم يكن خطاب تبرير، ولا محاولة للعودة إلى السلطة، بل كان شهادة رجل عرف متأخرا أن الخطر الحقيقي لم يكن خارجيا فقط، بل نما في أحشاء الداخل وتحول إلى طاعون يفتك بالوطن.
وبالتأكيد فإن الخطاب صدر من داخل منزله المحاصر، وعلى وقع القصف المستمر، في توقيت يتجاوز رمزية الحدث السياسي إلى المستوى الإنساني والمبدئي.
ولقد تحدث صالح من موقع الفقد، لا من موقع القوة، ووجه نداء استغاثة إلى الشعب، لا إلى الأحزاب أو الجيوش أو الخارج.
وفي هذا الخطاب، تظهر ثلاث رسائل جوهرية:
1. كشف طبيعة الحوثي، إذ استخدم لغة مباشرة وغير دبلوماسية لوصف الح..وثيين بأنهم جماعة عنصرية طائفية، سحبت السلاح من الجبهات لمهاجمة شعب صنعاء، وفرضت وصاية طبقية تميز بين "السلالة" و"الشعب".
2. دعوة لانتفاضة شعبية فللمرة الأولى، دعا صالح بشكل واضح إلى انتفاضة شاملة ضد الح..وثيين، مخاطبا اليمنيين كافة دون استثناء، مؤكدا أن الكرامة لا تُستعاد من خلال التفاوض مع جماعة لا تؤمن بالدولة ولا الجمهورية.
3. تبرئة من السلطة والمال، فلقد ختم صالح خطابه بتجرد كامل من السلطة والامتياز، معلنا استعداده للشهادة، نافيا أن يكون قد مد يده لأي قوة خارجية.
والحق يقال إن هذه لحظة تطهير شخصية وسياسية، حاول من خلالها أن يختم مسيرته بما يعتبره "الولاء النهائي" لتراب اليمن.
على إن ما يجعل هذا الخطاب مفصليا في التاريخ اليمني المعاصر ليس فقط لأنه الأخير، بل لأنه أزال كل أقنعة التحالف المؤقت، وكشف السقوط الأخلاقي والسياسي لجماعة كانت تتحرك تحت غطاء "الشراكة" و"المقاومة"، لكنها لم تكن سوى الوجه القبيح لنظام الإمامة في ثوب معاصر.
-3ـ
معنى الكلمة الأخيرة... حين تكلمت الجمهورية بصوت رجل
تذكروا أنه في ذلك الفجر الغادر، وقبل أن تلتهمه رصاصات الغدر، وقف علي عبد الله صالح خطيبا لا رئيسا، ومكابرا لا زعيما، وإنسانا لا خصما. إذ لم يكن ذلك الخطاب نصا سياسيا باردا، بل وصية دامغة من قلب رجل أدرك ـ ولو متأخرا ـ أن الوطن أغلى من السلطة، وأن الجمهورية لا تحميها الشعارات، بل تُحمل في الصدر وتُدافع عنها حتى النفس الأخير.
وإذ لم يقل لنا صالح إنه كان بلا خطأ. ولم يتنصل من تحالفه السابق مع الحو..ثيين. لكنه قال شيئا أعظم: قال إن السلالة الكهنوتية لا تبني وطنا، وإن الطائفية لا تُسير دولة، وإن اليمن لا يُحكم بالعقيدة العنصرية ولا بثقافة الميليشيا.
بل قال كلمة للشعب اليمني لن ينساها التاريخ:
"ثور، ثور، ثور"
وهي لم تكن مجرد صيحة، بل كانت طلقة أخيرة من بندقية جمهورية، أصابتها الخيانة أكثر مما أصابتها الحرب.
كذلك لم يدعُنا لأن نثأر له، بل لأن نستفيق لأنفسنا. أن نُعيد بناء فكرة الوطن. وأن نختار الحرية على الخوف، والدولة على العشيرة، والسيادة على التبعية.
أي أنه أراد أن يغادر بشرف. وقد فعل.
ولهذا نقول اليوم: لسنا بصدد تقديس الرجل، بل استعادة ما ضاع مننا. وقد تكون الكلمة الأخيرة هي أول الطريق
-4-
رسالة من قلب اليمن فلا خونة في وطن ضيعته الخصومة السياسية:
نعم..اقولها لانني أعرف أن البعض سيقول إنني ابالغ، إنني احاول التجميل أو التزلف. بل سيقولون إنني عارضت، وإنني خاصمت، وإن بعضنا كان في جبهة مقابلة.وووو..
كل ذلك قد يكون صحيحا.
لكن الأصح، والأهم من كل هذا، أن اليمن أكبر منا جميعا، وأن الخطايا تُغتفر حين يُستعاد الضمير.
نعم، لقد أخطأت كل القوى.
ولم تكن أخطاء صغيرة.
حميد الأحمر مثلا هلل حين سقطت صعدة في يد الحوثيين عام 2011، وقال إنها عادت لحضن الدولة.
والزنداني، في ذكرى 26 سبتمبر 2013، تحدث عن "الخُمس" ووجوبه للهاشميين وكأننا نعيش في عهد يحيى حميد الدين.
والرئيس عبد ربه منصور هادي بارك سقوط عمران، وقال إنها عادت أيضا لحضن الدولة!
أما اليسار، الذي كان يحمل شعارات الجمهورية، تنكر لها حين ظن أن معاداة صالح تبيح التحالف مع من ينقضون مبادئ سبتمبر من الجذور.!
بل حتى أمريكا، وحتى السعودية، أساؤوا التقدير . إذ ظنوا أن بإمكانهم استخدام الحوثي كورقة تكتيكية، أو أنهم يمكن أن يطوعوه ضمن المعادلة. لكنه كان واضحا منذ اللحظة الأولى: مشروعا سلاليا طائفيا، لا يرى في اليمنيين إلا "زنابيل"، وفي الجمهورية إلا لعنة ينبغي اقتلاعها.
والأمرّ من كل ذلك أن اليمنيين ـ من نخب ومكونات ـ عاشوا في دوامة الخصومة والمناطقية، حتى صار العدو الحقيقي يمشي في شوارعنا، ويُدرس أطفالنا، وينهب مواردنا، ونحن مشغولون ببعضنا البعض.
نعم..لقد أخطأنا جميعا. لكن ذلك لا يعني أن نواصل الخطأ بالصمت أو التبرير.
ولا أن نحكم على كلمة رجل مات واقفا بميزان المكايدة.
فالرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، في كلمته الأخيرة، لم يطلب غفرانا، ولم يسعَ للعودة، بل قدم شهادة للتاريخ:
أن الدولة لا تُبنى بالسلالة العنصرية ،ولا تُدار من البدرومات، ولا تُختزل في ملزمة، ولا تُهدم مؤسساتها من الداخل باسم النقاء العرقي والديني.
ثم إن الخصومة ليست وطنا، والمكايدة ليست مشروعا، والحقد لا يصنع دولة.
لذلك فلنقف مع اليمن، لا مع ذاك ولا ذاك.
وباسم سبتمبر وأكتوبر والجمهورية والوحدة والديمقراطية.
ماورد في كلمة الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح عفاش الحميري.
وباسم من قاتلوا ضد الإمامة في الجبال، ومن ماتوا دفاعا عن الجمهورية في المدن.
وباسم اليمن الكبير.
دعونا نضع حدا لحقبة الكراهية السياسية، ونعترف بأن الوطن ضاع حين تفرقنا، لا حين اختلفنا فقط.
بل إن كنا نريد أن نُعيد اليمن، فلنبدأ من الحقيقة:
أن لا أحد نجا من الخطأ، لكن لا أحد يجب أن ينجو من المسؤولية.
-5-
كلمة مني للجميع:
ثقوا أنني لم أعد لسماع الكلمة حبا في الزعيم، ولا ندما على خصومة، بل لأن شيئا في صدري ارتجف حين نطق الرجل بكلمات تشبه الحقيقة بعد طول غياب.
ولقد أعدتُ قراءتها لأنني أردت أن أفهم كيف تتحول الخطيئة إلى بصيرة، وكيف تنطق الجمهورية من فم رجل أدرك متأخرا أن الوطن لا يحتمل المزايدة ولا الحقد.
والحق يقال لم تكن الكلمة بيانا، بل صرخة من قلب جريح، من منزل يُقصف، ومن زمن ينكسر.
نعم..أعدت سماعها لأنني أردت أن أواجه نفسي، أن أضع كل المكايدات جانبا، وأسأل:
هل كنا نخوض معركتنا ضد الرجل، أم ضد الوطن؟
وهل كنا على حق، أم كنا فقط نُعارض؟
على إن
الكلمة الأخيرة لصالح ليست اعتراف صالح، بل مرآتنا جميعا.!!