بالقارة العجوز | شكوك في مظلة واشنطن.. «ميونخ 2026» يرسم ملامح الردع النووي الأوروبي
#نيوز_ماكس1 :
مع تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية، يبحث قادة أوروبا تطوير آلية ردع نووي خاصة بالقارة العجوز.
وتتزايد الضغوط في أوروبا لبدء حوار جاد بشأن إنشاء آلية ردع نووي بعيدا عن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهو النقاش الذي تردد صداه في الخطابات العامة والمحادثات الخاصة خلال مؤتمر ميونخ للأمن.
ويأتي النقاش حول الردع النووي الأوروبي كرد فعل لتراجع الثقة في الولايات المتحدة وهو أمر لم يتبدد رغم اللهجة التصالحية نسبياً التي تبناها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في خطابه في مؤتمر ميونخ السبت، وذلك وفقا لما ذكرته مجلة "بوليتيكو" الأمريكية.
وأكدت نائبة وزير الدفاع الإستوني، تولي دونيتون، أن بلادها لا تستبعد الانضمام إلى المحادثات الأولية بشأن الردع النووي المشترك في أوروبا. وقالت "نحن منفتحون دائمًا على الحوار" مع شركائنا، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة لا تزال "ملتزمة بتوفير الردع النووي للدول الحليفة".
وأيدت رئيسة وزراء لاتفيا، إيفيكا سيلينا، هذا الرأي، وقالت "يمكن للردع النووي أن يمنحنا فرصًا جديدة. فلما لا؟"، لكنها أشارت إلى ضرورة أن تكون أي خطوات في هذا الشأن متوافقة مع "التزاماتنا الدولية".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد شكك في المادة الخامسة من معاهدة الدفاع المشترك للناتو، وسخر من مساهمات الحلفاء في حرب أفغانستان، ودعا إلى ضم جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك العضو في الحلف، إلى بلاده.
كل تلك الأمور دفعت أوروبا إلى البحث عما يسميه المسؤولون طبقة أخرى من "الضمان" ضد روسيا.
وبشكل عملي، يعني ذلك التوجه إلى فرنسا والمملكة المتحدة، باعتبارهما القوتين النوويتين الوحيدتين في أوروبا.
وعلى عكس لندن، لا تعد باريس عضوًا في مجموعة التخطيط النووي التابعة للناتو، والتي تناقش استخدام القوة النووية من خلال الحلف.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن المصالح الوطنية لبلاده لها بعد أوروبي، مع التشديد على أن أي قرار إطلاق نووي يقع على عاتق باريس وحدها.
وتطرق ماكرون وكذلك المستشار الألماني فريدريك ميرتس إلى مسألة الردع النووي الأوروبي في خطابهما في ميونخ.
وقالت وزيرة خارجية لاتفيا، بايبا برازي، إن "الردع النووي موضوع بارز" في مؤتمر ميونخ هذا العام في حين حضر وزير الدفاع البلجيكي، ثيو فرانكن، جلسة نقاش مغلقة حول هذا الموضوع.
ومع ذلك لا يتفق الجميع على هذا الموضوع فعلى سبيل المثال، أقر رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، في كلمته بميونخ بضرورة تعزيز أوروبا لقدراتها لردع روسيا، لكنه قال "أعتقد أن إعادة التسلح النووي ليست السبيل الأمثل لذلك".
وأكد وكيل وزارة الدفاع الأمريكية، إلبريدج كولبي، أن الولايات المتحدة لن تسحب مظلتها النووية من القارة، رغم أن واشنطن تحثّ أوروبا على تكثيف جهودها في مجال الدفاع التقليدي.
وفي هذا الإطار، لا تزال المحادثات النووية بين فرنسا وألمانيا ودول أخرى، من بينها السويد، في مراحلها الأولى.
وأشار ماكرون، يوم الجمعة الماضي، إلى ضرورة "إعادة صياغة مفهوم الردع النووي" ليشمل أيضاً الأسلحة التقليدية، كالصواريخ بعيدة المدى.
وقال إن المحادثات مع الحلفاء الأوروبيين حول الأسلحة النووية الفرنسية "مهمة لأنها وسيلة لصياغة الردع النووي ضمن نهج شامل للدفاع والأمن".
ووفقا للخبير النووي برونو تيرتريس، نائب مدير مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية، فإن ذلك الخطاب يشير إلى تحول طفيف نحو رؤية فرنسا لتفاعل أكبر بين الردع التقليدي والنووي.
وقال مسؤولان حكوميان أوروبيان رفيعا المستوى إن العواصم الأوروبية يمكنها نظرياً دعم الردع النووي الفرنسي بتوفير أصول عسكرية تقليدية كالغواصات.
وأضاف المسؤولان، اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، أن باريس يمكنها أيضاً النظر في زيادة ترسانتها النووية، بدعم من دول أخرى.
ويطالب البعض بانضمام فرنسا إلى عملية التخطيط النووي الرسمية لحلف الناتو، بحجة أن ذلك سيربط الترسانة الفرنسية بالأمن الأوروبي بشكل أكبر لكن نائبة وزير الدفاع الفرنسي، أليس روفو، قالت في ميونخ، إن باريس لا تنوي القيام بذلك.
وردا على ذلك، قال وزير دفاع لاتفيا، أندريس سبرودس، "نحن نحترم الخيارات السيادية للدول"، وأضاف "بالطبع نحن منفتحون أيضاً على دمج القدرات النووية الفرنسية، قدر الإمكان، في القدرات النووية لحلف الناتو".
من جانبه، أكد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أنه لا يعارض إجراء محادثات في أوروبا طالما أنها لا تُضعف دور الولايات المتحدة.
وفي تصريحات لـ"بوليتكو، قال روته "أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز التهديدات النووية بشكل جماعي أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى القيام بذلك كبديل للمظلة النووية للولايات المتحدة".
وتتجه الأنظار حاليا إلى باريس بانتظار خطاب ماكرون المرتقب في مارس/آذار المقبل حول العقيدة النووية الفرنسية.
وقالت هيلويز فاييه الباحثة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية "بعد سنوات من المحاولات الفرنسية لتطوير نهج استراتيجي مشترك للردع في أوروبا، والذي غالبًا ما يتعارض مع مصالح حلفائنا، يسمح السياق الجيوسياسي الآن بالتوافق".
وأضافت "يجب علينا الآن ترجمة هذه الكلمات إلى إجراءات ومقترحات ملموسة لتعزيز الردع الأوروبي في مواجهة التهديد الروسي والتقلبات الأمريكية".

