سجّانٌ يشكو الحصار..!
سمير رشاد اليوسفي *
كتبَ أحدُ المتابعين سؤالاً بسيطاً: مَن يحاصر مَن؟ والجوابُ، في نهايةِ الأمر، لا يحتاجُ إلى تحليلٍ سياسيٍّ معقَّد، بل إلى سؤالٍ واحدٍ أبسط: من يملِكُ المفاتيح؟ فالحصارُ ليس فعلَ من يقفُ خارجَ البابِ، بل فعلَ من يحتفظُ بمفتاحِه في جيبِه.
بابُ الميناء لم يُغلَق منذ سنوات، لأنَّ مفتاحَه ليس بيدِ الميليشيا وحدَها، بل تحتَ رقابةِ آليةٍ دوليةٍ - “اليونفيم” - تتحقَّقُ من كلِّ سفينةٍ قبل وصولِها. أكثرُ من ثلاثِ مئةِ سفينةٍ تجاريةٍ دخلَت موانئَ الحديدة والصليفِ ورأسِ عيسى خلالَ النصفِ الأولِ من عام 2026 وحدَه، بحسَبِ ما أعلنَه المتحدِّثُ باسمِ قواتِ التحالف اللواءُ تركي المالكي، تحمِلُ الغذاءَ والدواءَ والوقودَ وموادَ البناءِ. وجماعةٌ لا تسيطرُ إلا على نحو ثُلثِ مساحةِ اليمن، بينما تتحدَّثُ باسمِ “الدولة” كلِّها وتُوزِّعُ صكوكَ الحصارِ على غيرها، تستحقُّ أن يُنظَرَ إلى دعواها بعينِ الشكِّ لا التصديقِ.
مفتاحُ المطارِ، بالمقابل، في يدِ الميليشيا نفسِها، وهي لا تتردَّدُ في استخدامِه. في عام 2024 احتجزَت أربعَ طائراتٍ مدنيةً تابعةً للخطوط اليمنية، ورفضَت كلَّ نداءٍ لنقلِها إلى مطارٍ أكثرَ أمناً حتى بعد التحذيرِ من ضرباتٍ إسرائيليةٍ محتملة، فكانت النتيجةُ أن الأسطولَ نفسَه الذي صادرَته بيدِها دُمِّرَ بالكامل في غاراتٍ إسرائيليةٍ لاحقةٍ عام 2025 - مفتاحٌ استخدمَته الميليشيا فانقلبَ قفلاً عليها. ثم رفضَت بعد ذلك المبادرةَ الأردنيةَ لاستئنافِ رحلاتٍ منتظمةٍ إلى عمّان، التي رحَّبَت بها الحكومةُ الشرعيةُ فوراً.
ومفتاحُ تعز أيضاً في يدِها منذ عام 2015: طرقٌ رئيسةٌ مقطوعةٌ عن مئاتِ الآلافِ من سكانِ المدينة، ولم تُترَكْ لهم إلا ثغرةٌ جزئيةٌ واحدةٌ في يونيو 2024 تحت ضغطٍ دوليٍّ متواصلٍ، ولا يزالُ الحصارُ قائماً حتى اليوم. فتعز، لا الحديدة، هي عنوانُ الحصار الحقيقي في هذه الحرب.
ومفتاحُ النفطِ لم يكن استثناءً. الميليشيا استهدفَت موانئَ التصديرِ بالقوة، فحرمَت الدولةَ من عائداتٍ كانت ستذهبُ مباشرةً إلى الرواتبِ وتشغيلِ الكهرباء، وتركَت السعوديةَ تسدُّ فجوةً صنعتْها هي بيدِها. واليوم، مع إعلانِ استئنافِ التصديرِ بكلِّ الوسائل، يُكسَرُ هذا القفلُ أيضاً رغماً عنها.
ولدى وكلاءِ طهرانَ الآخرين، يُستخدَمُ المفتاحُ نفسُه بالمنطقِ نفسِه: في العراقِ ولبنانَ كما في صنعاء، يتحدَّثُ الوكيلُ بلغةِ الضحيةِ بينما يُمسِكُ بمقبضِ البابِ. فرحلاتُ شركةِ “ماهان” الإيرانيةِ المعاقَبةِ دولياً بين صنعاءَ وطهرانَ لا تخدُم حاجةً إنسانيةً بقدرِ ما تخدُم شبكةَ نقلٍ عابرةً للحدود.
وأشدُّ أبوابِها إحكاماً هي أبوابُ الزنازين: أكثرُ من سبعينَ موظفاً أممياً محتجَزٌ في سجونِها، بعضُهم صدرت بحقِّه أحكامُ إعدام. فمن يملِكُ مفتاحَ زنزانةِ موظفي الإغاثةِ الدوليةِ لا يملِكُ أن يشكوَ من عزلةٍ يفرِضُها العالمُ عليه؛ هو من يعزلُ نفسَه بيدِه، كالسجّانِ الذي يشكو من سجنِه.
يبقى بابٌ واحدٌ لا تملِكُ الميليشيا مفتاحَه: مضيقُ باب المندب. وهذا ربما يُفسِّرُ لماذا تتوجَّهُ إليه الآن بالتهديد، بعد أن أعلنَ التحالفُ بدءَ تنفيذِ إجراءاتٍ لحمايةِ الملاحةِ التجاريةِ عبرَه، واصفاً أيَّ تهديدٍ حوثيٍّ للسفنِ العابرةِ بأنَّه مخالفةٌ صريحةٌ للقانون الدوليِّ تنطوي على أعمالِ قرصنةٍ بحريةٍ. فالباب الذي لا تملِكُ مفتاحَه هو الباب الذي تريدُ كسرَه.
يبقى السؤالُ: هل تحتاج جماعةٌ تملِكُ كلَّ هذه المفاتيح إلى حصارٍ خارجيٍّ لتشرحَ فشلَها؟ الجوابُ بسيط: صاحبُ المفاتيح لا يُحاصَر، هو من يُحاصِر، والحصارُ الحقيقيُّ الوحيدُ في هذه القصة هو الذي تفرضُه الميليشيا على اليمنيين الواقعين تحت سيطرتِها، لا الذي تتوهَّمُه على نفسِها.
*من صفحة الكاتب على مواقع التواصل الاجتماعي

