من امريكا | تقارير تكشف حقيقة التصعيد الحوثي ضد السعودية والهدف منه
وكالات |
يتجه التصعيد الحوثي داخل اليمن وباتجاه الأراضي والمنشآت السعودية إلى ما يبدو أنه محاولة لرفع كلفة المواجهة على الرياض ودفعها إلى طاولة المفاوضات، أملاً في انتزاع تنازلات وامتيازات سياسية وعسكرية، في وقت تشير تقارير أمريكية إلى أن السعودية تتحرك في الاتجاه المعاكس، عبر دعم إعادة تنظيم القوات اليمنية والاستعداد لخيار عسكري بري وبحري ضد الجماعة.
وقال معهد دراسات الحرب الأمريكي (ISW) إن الحوثيين يحاولون إجبار السعودية على التراجع عن أي تحرك عسكري من خلال التهديد بتوسيع هجماتهم على البنية التحتية النفطية في المملكة، وربط وقف التصعيد بدخول الرياض في مفاوضات مع الجماعة.
وبحسب المعهد، حذرت وسائل إعلام حوثية في 11 أغسطس/آب من استهداف منشآت النفط السعودية إذا استمرت الرياض فيما وصفته الجماعة بـ"المماطلة" الدبلوماسية، بالتزامن مع تحركات عسكرية وحشد للقوات.
ويبدو أن الرهان الحوثي يقوم على معادلة الضغط الاقتصادي: رفع فاتورة الحرب على السعودية بما يكفي لدفعها إلى التفاوض بدلاً من المواجهة. لكن هذا الرهان قد ينقلب على الجماعة إذا أدى التصعيد إلى نتيجة عكسية، تتمثل في منح الرياض مبرراً إضافياً للانتقال من الاحتواء إلى الخيار العسكري.
وأشار المعهد إلى أن الهجمات الحوثية على المنشآت النفطية السعودية منذ 24 يوليو/تموز تستهدف، في المقام الأول، رفع الكلفة السياسية والاقتصادية على الرياض لإجبارها على وقف عملياتها العسكرية، فضلاً عن الضغط عليها لقبول تسوية بشروط تفرضها الجماعة.
كما رأى أن الرسائل الحوثية لا تستهدف السعودية وحدها، وإنما شركاءها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، عبر التلويح باحتمال اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، في محاولة لإثارة المخاوف من تداعيات اقتصادية قد تدفع الرياض إلى التراجع.
لكن التطورات تشير إلى أن الضغط الحوثي قد تكون له نتيجة معاكسة؛ إذ تتحدث تقارير عن توجه سعودي نحو تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر، بالتوازي مع إعداد القوات اليمنية لخيار عسكري أوسع.
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة The Media Line عن تقرير للكاتب جاكوب ويرتشافتر أن السعودية أمضت نحو سبعة أشهر في حشد وإعادة تنظيم القوات اليمنية التي يمكن أن تشارك في عملية لاستعادة السيطرة على مناطق ساحل البحر الأحمر.
ويرى التقرير أن ثلاثة عوامل دفعت الرياض نحو الاقتراب من الخيار العسكري الذي حاولت تجنبه خلال السنوات الماضية، أبرزها تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية، وتنافس الفصائل اليمنية، والمخاطر المرتبطة بطرق نقل النفط.
وجاء استهداف السفينة التجارية "تهامة" في باب المندب ليضيف عاملاً جديداً إلى الأزمة، خصوصاً مع سقوط قتلى من طاقمها، بالتزامن مع تصعيد حوثي طال المخا والخوخة ومأرب، وهجمات أخرى استهدفت، وفق التقارير، ناقلات نفط ومنشآت سعودية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الحوثيين لا يستخدمون التصعيد فقط كأداة عسكرية، بل كورقة تفاوضية، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أن استمرار الضغط العسكري سيعني توسيع دائرة الاستهداف ورفع كلفة الحرب.
أحد أبرز التحديات التي واجهت أي تحرك عسكري ضد الحوثيين كان تعدد القوى اليمنية وتباين أجنداتها، وهو ما دفع السعودية، بحسب التقرير، إلى تسريع جهود دمج الوحدات والتشكيلات العسكرية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية وإعادة تنظيم القوات التابعة للحكومة.
وهذا التطور تحديداً يثير قلق الحوثيين، لأن نجاح الرياض في توحيد القوى العسكرية المناهضة للجماعة قد يحرمها من واحدة من أهم نقاط ضعف خصومها خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، قد تكون الهجمات الحوثية المكثفة على مواقع القوات الحكومية والمناطق الساحلية محاولة لإضعاف هذه القوات قبل اكتمال إعادة تنظيمها، أو تعطيل أي هجوم محتمل قبل انطلاقه.
المفارقة أن الجماعة التي تحاول دفع السعودية إلى التفاوض عبر التصعيد قد تكون هي نفسها من يدفع الرياض نحو الخيار الذي تخشاه.
فكلما توسعت الهجمات على الملاحة والمنشآت النفطية، ارتفعت الكلفة السياسية والأمنية على السعودية، لكن في المقابل تتراجع مساحة الخيارات أمام الرياض، خصوصاً إذا باتت الهجمات تهدد أمن الطاقة والممرات البحرية بشكل مباشر.
وبذلك، تبدو المعركة الحالية أشبه بسباق بين الضغط الحوثي والاستعداد السعودي: الحوثيون يريدون استخدام الصواريخ والمسيّرات والنفط والملاحة كورقة لإجبار الرياض على تقديم تنازلات، بينما تعمل الأخيرة على بناء أدوات عسكرية وسياسية تجعلها أقل عرضة للابتزاز.
ولا تقتصر تداعيات هذا التصعيد على اليمن والسعودية، إذ إن استمرار اضطراب باب المندب والبحر الأحمر قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤثر في إمدادات الطاقة والأسمدة والغذاء في الأسواق الآسيوية.
وتشير التقارير الأمريكية إلى إن رهان الحوثيين على إيلام السعودية لإجبارها على التفاوض قد يتحول إلى مخاطرة كبيرة؛ فبدلاً من الحصول على امتيازات، قد تجد الجماعة نفسها أمام خصم أكثر استعداداً لخوض مواجهة برية وبحرية، وأكثر قدرة على توحيد القوى المناهضة لها داخل اليمن.

