خناق شامل وحياة معطلة.. تعز تحت وطأة أزمات مركبة وصمت يضاعف المعاناة
تعز | وحدة الرصد : محرم الحاج:
لم تعد الأزمة في مدينة تعز المحاصرة مجرد نقص عابر في خدمة أو سلعة، بل تحولت إلى خناق يومي شامل يكبل تفاصيل الحياة من أول رغيف الخبز حتى آخر مشوار في نهاية النهار. المدينة التي أثقلها الحصار لسنوات، تعيش اليوم واحدة من أسوأ موجاتها المعيشية، حيث تلاقت أزمات الوقود والدقيق والغاز المنزلي في مشهد واحد عنوانه: الشلل.
شوارع بلا مركبات.. والتنقل لمن استطاع إليه سبيلاً
في شوارع تعز، المشهد لا يحتاج إلى كثير شرح. فراغ غير معتاد، وحركة باصات تكاد تختفي. المحطات الرسمية للوقود مغلقة، وما هو متوفر يأتي عبر السوق السوداء وبأرقام فلكية.
يقول سائق دراجة نارية في شارع جمال لـ "وحدة الرصد": "نشتري القنينة الصغيرة - وهي في الحقيقة لا تزيد عن ثلاثة أرباع اللتر - بأربعة آلاف ريال. كيف سأعمل بهذا السعر؟".
هذا الجنون السعري فرض معادلة جديدة للتنقل. المشاوير النزولية أصبحت محسوبة بالدقائق، أما الصعود نحو المرتفعات والأحياء الجبلية، فلا يتحرك السائق إلا إذا امتلأت مركبته عن آخرها، وبأجرة يحددها سعر السوق السوداء، . المواطن البسيط، الموظف والطالب والمريض، هو من يدفع الفاتورة مضاعفة من وقته وجيبه.
طوابير الخبز.. رحلة يومية بلا ضمان
ولا تقل أزمة الرغيف قسوة عن أزمة الطريق. أمام مراكز بيع الدقيق، طوابير طويلة تمتد لساعات تحت شمس النهار. الهدف كيس لا يتجاوز 25 كيلوغرامات.
يقف المواطنون، رجالاً ونساءً، في زحام خانق، ثم يأتي الجواب المعتاد بعد ساعات الانتظار: "الكمية نفدت". يعودون إلى بيوتهم خالي الوفاض، ليبدأوا رحلة البحث من جديد في اليوم التالي.
مطابخ بلا غاز.. والعودة إلى زمن الحطب
وفي البيوت، الأزمة تأخذ شكلاً آخر أكثر قتامة. الغاز المنزلي منعدم تماماً. لا توجد اسطوانات في مراكز التوزيع، وأسر كثيرة اضطرت للعودة إلى استخدام الحطب والخيارات البديلة المكلفة والخطرة، في مشهد يعيد للمدينة المشهد ذاته في العام 2015، ويضاعف من معاناة المرأة في تدبير شؤون مطبخها.
انتظار الفرج من الكدحة والمخا
رغم كل هذا السواد، لا يزال سكان تعز يتشبثون بخيط أمل. الجميع هنا يترقب خبراً واحداً: فتح الطرقات.
الأنظار تتجه نحو محوري الكدحة - المخا، وطريق التربة - عدن،كطوق نجاة وحيد قادر على كسر هذا الحصار الخانق وإعادة تدفق الوقود والغذاء والغاز، وإعادة النبض لشوارع أنهكها الانتظار.
ففي تعز، لا يُقاس الفرج بعدد الشاحنات التي ستدخل، بل بعودة الحياة إلى طبيعتها، بأن يصبح المشوار مشواراً عادياً، ورغيف الخبز حقاً متاحاً، لا حلماً مؤجلاً.

