إيران عند مفترق طرق: ضغوط الشارع تتزامن مع خيارات واشنطن التصعيدية
تعيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة هي الأكثر حساسية وتعقيداً منذ تأسيسها، حيث تشهد البلاد تصاعداً غير مسبوق في الاحتجاجات الشعبية التي اتسعت جغرافياً واجتماعياً، مما وضع الشارع كعنصر ضغط مباشر على البنية السياسية والأمنية للنظام.
تجاوزت هذه الاحتجاجات المطالب الاقتصادية والمعيشية، لتعكس أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والنظام الحاكم، مدفوعة بتدهور العملة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، بالإضافة إلى الإحساس العام بانسداد الأفق السياسي. ويواجه النظام هذا الحراك بسياسة أمنية صارمة، مدعومة بمحاولات لإظهار التماسك عبر تنظيم مسيرات موالية، لكن هذا النهج لم ينجح في احتواء الغضب المتراكم، بل ساهم في تعميق الشرخ الداخلي وزيادة الضغوط الخارجية.
على الصعيد الخارجي، تراقب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التطورات الداخلية في إيران من منظور استراتيجي يركز على استثمار الضعف الداخلي وتعظيم أدوات الضغط بدلاً من الحلول الدبلوماسية التقليدية. ويعكس الخطاب العلني المتشدد لإدارة ترامب قناعة راسخة بأن النظام الإيراني يمر بلحظة هشاشة تاريخية يمكن استغلالها لإعادة تشكيل سلوكه الإقليمي أو إجباره على تقديم تنازلات جوهرية، مما أعاد تفعيل سياسة "الضغط الأقصى" بنسخة أكثر تشدداً تشمل العقوبات الاقتصادية والعزل الدبلوماسي.
يبرز خيار التصعيد العسكري المحدود كأحد السيناريوهات المطروحة ضمن حسابات واشنطن، ليس بالضرورة لإسقاط النظام، بل لإعادة ترسيم خطوط الردع وفرض وقائع جديدة عبر ضربات نوعية تستهدف منشآت عسكرية أو نووية، كرسالة واضحة بالاستعداد لاستخدام القوة. ومع ذلك، يظل هذا المسار محفوفاً بالمخاطر نظراً لاحتمالات الرد الإيراني غير المباشر عبر حلفائها الإقليميين، مما قد يفضي إلى تصعيد إقليمي واسع يصعب السيطرة على نتائجه.
السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو استمرار الضغط الاقتصادي المكثف بالتوازي مع الدعم السياسي والإعلامي للاحتجاجات الداخلية دون تدخل عسكري مباشر. تهدف العقوبات المشددة وتقييد صادرات النفط إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، مما يزيد من الضغوط الشعبية ويضع النظام الإيراني أمام معادلة صعبة بين استمرار القمع أو تقديم تنازلات سياسية واقتصادية.
على الرغم من الخطاب التصعيدي، لا تستبعد إدارة ترامب فتح قنوات تواصل مشروطة إذا رأت تغيراً ملموساً في سلوك طهران، إلا أن هذا الخيار ضعيف الحضور حالياً بسبب انعدام الثقة المتبادل وإصرار واشنطن على شروط قاسية تتعلق بالبرنامج النووي والدور الإقليمي. ويدرك النظام الإيراني أن أي انفتاح غير محسوب قد يُفسَّر داخلياً كضعف، مما يحد من قدرته على المناورة الدبلوماسية في ظل اشتعال الشارع.
إن أي تطور دراماتيكي في الداخل الإيراني أو في الموقف الأميركي سينعكس حتماً على المنطقة بأكملها، حيث قد تلجأ طهران إلى استخدام شبكة نفوذها الإقليمي للرد على الضغوط أو لصرف الأنظار عن أزمتها الداخلية. وفي المقابل، تدرك واشنطن وحلفاؤها أن انهياراً مفاجئاً أو فوضى داخل إيران قد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة تتجاوز حدود الصراع التقليدي.

