مقارنة بين تهديدات ترامب وضبط النفس بعد هجوم دار الرئاسة: أخلاق القيادة في المحن
أثار إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن إصدار أوامر "بمحو إيران" في حال تعرضه للاغتيال تساؤلات حول مستوى الهشاشة النفسية التي قد تصل إليها قيادات الدول العظمى، مقارنةً بمواقف قادة آخرين في لحظات حرجة تعرضت فيها الدولة لخطر التفكك.
التصريح المنسوب لترامب، والذي ينطوي على تهديد إبادة شاملة، لا يُفسر فقط كجزء من الردع السياسي، بل يكشف عن حالة من الذعر الداخلي لرجل يقود أقوى إمبراطورية عالمية، حيث يواجه الخوف بالتهديد الفوري بالتدمير المتبادل.
هذا التهديد يقود الذاكرة مباشرة إلى أحداث صنعاء في الرابع من يونيو 2011، وتحديداً الهجوم الذي استهدف مسجد دار الرئاسة، والذي أسفر عن إصابة الرئيس آنذاك علي عبد الله صالح بجروح بليغة وحالة تفحم لملامحه، بينما كانت الدولة تعيش حالة من الاضطراب والفوضى.
في تلك اللحظة الحاسمة، ورغم توفر المبرر الانتقامي الصريح، والقدرة الكاملة للحرس الجمهوري والقوات الخاصة على الرد بعنف ساحق، جاءت التعليمات من صالح، عبر نجله أحمد، بضبط النفس وعدم إطلاق رصاصة واحدة. هذا القرار يُعد مفارقة كبرى، حيث يمثل "شجاعة الدولة" في الامتناع عن البطش رغم القدرة عليه، خلافاً لـ "نزق العصابات".
لكن المقابل الأخلاقي لهذا الكفّ كان صادماً، حيث استُقبلت هذه اللحظة من الخصوم بالاحتفال والشماتة، وذُبحت الأبقار ونُصبت الموائد ابتهاجاً بجراح الدولة، مما أشار إلى انهيار القيم وتحول السياسة إلى ساحة للكراهية العمياء بدلاً من الخصومة الشريفة.
إن رؤية "زعيم العالم" يرتجف خوفاً ويهدد بالإفناء، تذكرنا بأن قوة الدول لا تُقاس فقط بترساناتها، بل بسلوك قادتها في أوقات النزف والاغتيال السياسي؛ فالرجال الحقيقيون يُمتحنون بضبط النفس وهم قادرون على الانتقام، وليس فقط بانتصاراتهم وهم آمنون. ولن يلتئم الجرح الوطني ما لم تُراجع تلك اللحظات التاريخية التي اغتالت فيها السياسة أخلاقها، اعترافاً بأهمية ضبط القوة كأعلى مراتب السلطة.

