اختفاء «المشرف» من سوق العمل الأمريكي.. زلزال في هرم السلطة الوظيفية
#نيوز_ماكس1 :
مع حلول عام 2000 تقريبا، حقق القطاع الخاص الأمريكي إنجازا تاريخيا، فللمرة الأولى، فاق عدد المديرين الميدانيين "السوبرفايزور" - من مشرفين وقادة فرق ورؤساء عمال وغيرهم - عدد مديري المكاتب في الشركات.
وبدا هذا الأمر بالغ الأهمية، لا سيما بالنسبة لأبناء الطبقة العاملة الذين مثلت لهم هذه الوظائف، التي تُشبه وظائف ضباط الصف، فرصة نادرة للترقي الوظيفي.
ولكن سرعان ما انعكس هذا الاتجاه، وفقًا لتحليل لصحيفة واشنطن بوست استند إلى نحو 37 مليون استجابة من بيانات التعداد السكاني واستطلاع المجتمع الأمريكي خلال الفترة من 1950 إلى 2024.
وبعد أن كانت الوظائف الإشرافية في أوجها، باتت تظهر بكثرة في قوائم الصحيفة لأكثر الوظائف تضررًا في الحياة العملية للأمريكيين، حتى مع ارتفاع وظائف الإدارة المكتبية إلى مستويات قياسية جديدة. فما الذي حدث؟
كيف تطور الاقتصاد الأمريكي؟
واستعانت واشنطن بوست، بعد التضرر الذي أصاب عملية جمع البيانات خلال فترة الإغلاق الحكومي، بالخبيرة الاقتصادية الهولندية آنا سالومونز من جامعة أوتريخت.
وفي تحليل رائد أعدّته عام 2024، جمعت سالومونز وزملاؤها وصفًا تفصيليًا لوظائف مكتب الإحصاء من عام 1930 إلى عام 2018، ومن خلال تحليله ظهر كيف تطور الاقتصاد الأمريكي وتغير وأصبح أكثر اعتمادًا على الأتمتة؟
وأشارت في البداية إلى أن التغيير في تعريفات المهن الذي طرأ مع تعداد عام 2000 كان "كبيرًا بشكل ملحوظ"، وتساءلت عما إذا كان ذلك سببًا في بعض التحولات التي لوحظت.
وركزت الخبيرة الاقتصادية في تحليلها على تضخم المسميات الوظيفية، وهو ما فتح الباب أمام الكشف عمّا وصلت إليه مختلف الوظائف.
واتضح أنه خلال العقود القليلة الماضية، أصبحت الوظائف التي كانت تسميتها سابقًا مشتقة من "مشرف – سوبرفايزور" تُدرج الآن تحت مسميات مشتقة من "مدير".
وصاحب ذلك أيضًا احتمال أن يُضلل مسمى وظيفي أكثر فخامة (دون تغيير في الراتب) عاملًا كان يسعى إلى زيادة في الراتب أو ترقية، ولو مؤقتًا، وهو ما ترتب عليه تعرض مكتب الإحصاء الأمريكي للتضليل.
نقطة ضعف
والميزة الأبرز للمسح المجتمعي الأمريكي - وهي تلقيه بيانات مباشرة من نحو مليوني أسرة أمريكية سنويًا - تُعد أيضًا، في هذه الحالة، نقطة ضعفه، لأنه يعتمد على ما تقوله هذه الأسر.
ولم تقتصر واشنطن بوست في الاستبيان على سؤال المشاركين عن المهنة فحسب، بل أيضًا عن أهم أنشطتهم أو واجباتهم الوظيفية.
وهذه التفاصيل، بالإضافة إلى إجابات أسئلة أخرى في الاستبيان مثل المستوى التعليمي، تُعطي موظفي مركز المعالجة الوطني — والروبوت الحكومي الذي يتعامل مع الحالات الأسهل — أكبر قدر ممكن من المعلومات لتحديد الوظيفة التي كان يشغلها المستجيب فعليًا.
لكن ليس كل من يشغل منصبًا إداريًا اسميًا فقط سيقدم معلومات كافية لإعادة تصنيفه كمشرف أو حتى كمساهم فردي، لذا تسللت نسبة معينة من المسميات الوظيفية المبالغ فيها.
وذلك يعني أن استطلاعات التعداد السكاني في الولايات المتحدة لا تزال تعكس اتجاهًا حقيقيًا نحو تضخم المسميات الوظيفية.
لماذا تتضخم هذه المسميات؟
تقول واشنطن بوست إنه، بناءً على سنوات من الملاحظة، لاحظ بعض ألمع العقول في الشركات الأمريكية أن ترقية المسمى الوظيفي تتيح منح العامل "ترقية" دون تغيير في المسؤولية أو الراتب.
بل إن بعض الاقتصاديين البارعين ربما وجدوا طريقة لقياس حالة محددة من ذلك.
وتشير الخبيرة الهولندية سالومونز إلى تحليل سيُنشر قريبًا في مجلة "Review of Financial Studies".
وفي هذا التحليل، قام الاقتصاديون بتحليل نحو 450 ألف إعلان وظيفة على الإنترنت برواتب قريبة من الحد الأدنى الذي يؤهل الموظف للإدارة بموجب قانون معايير العمل العادلة.
وصدرَت هذه الإعلانات بين عامي 2010 و2018، حين كان الحد الأدنى للأجر الأسبوعي للإعفاء الإداري 455 دولارًا، ويبلغ حاليًا 684 دولارًا.
ووجد الباحثون — لورين كوهين من جامعة هارفارد، وأوميت غورون وبوغرا أوزيل من جامعة تكساس في دالاس — أن الوظائف التي تدفع أجورًا أعلى بقليل من الحد الأقصى القانوني للأجور يُرجح أن تحمل مسميات إدارية فيها بخمسة أضعاف مقارنةً بالوظائف المماثلة التي تقل أجورها قليلًا عن الحد الأقصى.
ويرجع ذلك إلى أنه حتى المسميات المشكوك فيها، مثل تسمية الحلاق "مدير التجميل" أو موظف الاستقبال "مدير الانطباعات الأولى"، قد تُستخدم كغطاء لأصحاب العمل الذين يسعون إلى الادعاء بإعفاء هذا الشخص من أجر العمل الإضافي.
تصنيفات زائفة
ويُقدّر الاقتصاديون أن هذه التصنيفات الزائفة توفّر لأصحاب العمل نحو 13.5% من أجور كل "مدير".
وكما أوضحت رئيسة معهد السياسة الاقتصادية، هايدي شيرولز، فإن تعريف الموظفين المعفيين من أجر العمل الإضافي لا يشير إلى المسميات الوظيفية، بل يركز فقط على طبيعة الوظيفة نفسها.
ولا يُفترض أن يغيّر ترقية عامل إلى "مدير" شكليًا أي شيء، لكن في الواقع، كما قالت الخبيرة، غالبًا ما يستخدم المدراء هذه المسميات كغطاء دخاني.
وقال خبير الإدارة في جامعة ستانفورد، نيكولاس بلوم — المعروف سابقًا بخبرته في بيانات العمل عن بُعد — إن صعود المسميات الوظيفية للمديرين يتزامن مع ما يسميه الإفراط في تعليم القوى العاملة الأمريكية.
فقد كان خريجو الجامعات في السابق يشكلون أقلية صغيرة ونخبوية، أما الآن فتخرّج الجامعات الأمريكية أعدادًا هائلة منهم لدرجة أن نسبتهم تفوق نسبة الشباب الذين لم يكملوا المرحلة الثانوية.
تلاشي منصب المشرف
ويعزو تحليل واشنطن بوست تلاشي منصب "المشرف"، بعد رصد تضخم وهمي في المسميات الوظيفية، إلى تراجع الشركات الصغيرة، وسعي الشركات العملاقة — بحثًا عن الكفاءة — إلى "مركزة" المزيد من الوظائف.
وبالمثل، فإن ازدياد الاستعانة بمصادر خارجية، وربما العمل الحر، يعني أن الوظائف التي كانت تُنجز سابقًا بواسطة فرق صغيرة تحت إشراف مباشر داخل الشركة، تُعهد الآن إلى شركات خارجية ضخمة.
وبالطبع، فإن الاعتماد المتزايد على العاملين في الاقتصاد الحر والعمالة الخارجية، الذي ينطوي عليه هذا النموذج، قد يفسر أيضًا سبب إدارة مديري شركات التكنولوجيا لعدد قليل جدًا من الموظفين حاليًا، إذ يعمل كثير ممن يديرونهم خارج الشركة.
ويقول كبير الاقتصاديين في موقع Indeed، كوري ستال، إن هذا يبدو منطقيًا بناءً على انطباعاته من الأرشيف الضخم لإعلانات الوظائف على الموقع.
وفي الأسبوع الماضي، كانت الأسواق المالية على أهبة الاستعداد لرواية مفادها أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل العمال في سوق العمل الأمريكي.
ووفقًا لصحيفة فايننشال تايمز، كان الاقتصاديون يضعون سيناريوهات لاقتصاد أمريكي بلا خلق صافٍ للوظائف، وكانت إدارة دونالد ترامب تستعد لبيانات كارثية لتبرير سياساتها، لكن لم يحدث أي من ذلك.
فقد خلق الاقتصاد الأمريكي 130 ألف وظيفة الشهر الماضي، وبمعدل 30 ألف وظيفة شهريًا في السنة المنتهية في يناير/كانون الثاني 2026.
وانخفضت البطالة للشهر الثاني على التوالي إلى 4.3%، مقارنةً بـ4.2% في فبراير/شباط من العام الماضي.
ورغم المراجعة المتوقعة بانخفاض كبير في توقعات نمو الوظائف لعام 2025، فإن جميع البيانات جاءت أفضل بكثير من المتوقع.
ماذا عن الأرقام؟
وتثير هذه الأرقام ثلاثة تساؤلات: ماذا حدث للخطاب السائد مؤخرًا حول الوظائف؟ هل تحقق الولايات المتحدة وضعًا اقتصاديًا جيدًا على غرار منطقة اليورو؟ أم أنها لا تزال تواجه وضعًا أكثر سخونة وربما أقرب إلى الوضع الأسترالي؟
وبعد اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية في يناير/كانون الثاني، الذي أبقى أسعار الفائدة الأمريكية ضمن نطاق 3.5% إلى 3.75%، برر محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، تصويته المعارض لصالح خفض سعر الفائدة بحجة أنه "سيعزز سوق العمل ويحمي من تدهور يصعب معالجته بعد حدوثه".
وأعرب عن قلقه من أن التعديل المتوقع قد يؤدي إلى توقف نمو الوظائف في الولايات المتحدة تمامًا.
وكانت هذه بيانات شهر واحد فقط، لكن الواقع الناشئ يشير إلى أن النمو القوي للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي قد ساهم في تحسين سوق العمل في البلاد، كما هو متوقع.
وقد كانت جميع البيانات تقريبًا في الأسبوع الماضي إيجابية، مما قلل من التناقض الأخير بين أرقام النشاط الاقتصادي القوية وأرقام الوظائف الضعيفة.

