من يدير إيران !؟| تصدع "الرأس" في طهران: صراع الأجنحة يلتهم مركزية القرار.. ومن يمسك بزمام إيران بعد غياب "مجتبى"؟
من يدير إيران؟.. تقرير يكشف صراع الأجنحة داخل النظام
تقرير تحليلي
بينما تنشغل المنطقة بقرع طبول الحرب بين طهران وتل أبيب، تدور خلف الكواليس "حرب باردة" داخل أروقة الحكم الإيراني، حيث كشفت المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل عن مرحلة غير مسبوقة من الضبابية القيادية. ومع التواري الغامض لـ مجتبى خامنئي —الرجل الظل والخليفة المحتمل— عن الأنظار منذ الساعات الأولى للصراع، لم يعد السؤال "ماذا ستفعل إيران؟" بل أصبح: "من يقرر في إيران فعلياً؟"
سقوط أسطورة "الواجهة".. وتعدد مراكز الثقل
وفقاً لتقرير حديث صادر عن "منتدى الشرق الأوسط"، فإن المشهد الحالي حطم الرواية التقليدية التي كانت تصف الرئيس مسعود بيزشكيان بمجرد "موظف" أو واجهة للنظام، ليكشف عن واقع أكثر تعقيداً؛ حيث تحولت الدولة إلى ساحة لتعدد مراكز القوة التي تتصادم سياساتها في العلن.
خارطة القوة: "الحرس الثوري" كيان واحد.. بوجوه متناقضة
رغم هيمنة الحرس الثوري (IRGC) على المشهد العام، إلا أن التقرير يؤكد أنه لم يعد كتلة صماء، بل انقسم إلى ثلاث جبهات تتصارع لرسم هوية "إيران ما بعد المرشد":
1. تيار "البراغماتية العسكرية" (بقيادة محمد باقر قاليباف):
يسعى رئيس البرلمان، والجنرال السابق في الحرس، إلى تقديم نفسه كـ "مهندس" للمرحلة الانتقالية. يحاول قاليباف بناء جسر بين المؤسسة الأمنية والهياكل الرسمية، مُبدياً مرونة حذرة للتفاوض، خاصة مع عودة دونالد ترامب، مراهناً على قدرته على تحويل التوجهات الأمنية إلى قرارات تشريعية قابلة للتطبيق دولياً.
2. تيار "الانكفاء الأمني" (بقيادة محمد باقر ذو القدر):
يمثل هذا التيار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يستمد قوته من التحالف مع المؤسسة القضائية (جناح صادق لاريجاني). يركز هذا الفصيل على "القبضة الحديدية" داخلياً وإحكام الرقابة، معتبراً أن الانفتاح الدبلوماسي مخاطرة قد تقوض أركان النظام، مفضلاً سياسة "احتواء الأزمات" بدلاً من التكيف معها.
3. تيار "التشدد العابر للحدود" (بقيادة وحيدي وفدوي):
هذا الجناح هو الأكثر صرامة، ويرتبط بعمق بالملفات الإقليمية و"محور المقاومة". يتبنى سياسات خارجية عدائية مدعومة بشبكات عسكرية متجذرة، ويرى في التصعيد الخارجي وسيلة وحيدة للحفاظ على شرعية النظام ووجوده.
تآكل "العمامة" لصالح "البذلة العسكرية"
يشير التقرير إلى تحول جوهري في بنية السلطة؛ حيث تراجعت المؤسسة الدينية في "قم" من صانع للقرار إلى "جهة تصديق رمزية". لم يعد لرجال الدين الكلمة الفصل، بل باتت الأجهزة الأمنية هي من توظف الشرعية الدينية لتعزيز نفوذ الفصائل المتنافسة، مما يعكس تراجع دور "الأيديولوجيا" أمام "البراغماتية الأمنية".
فوضى الخطاب: رسائل متضاربة و"إعلام ملغم"
يعكس التقرير غياب المايسترو الموحد؛ فبينما يلمح قاليباف للتفاوض، يخرج سعيد جليلي ومحسن رضائي بخطاب راديكالي يغلق كافة الأبواب. هذا التضارب لم يعد مجرد توزيع أدوار، بل هو انعكاس لغياب التنسيق المركزي. حتى الصحافة الإيرانية (مثل صحيفة كيهان) تحولت إلى خنادق إعلامية تستخدمها الأجنحة لتصفية الحسابات الداخلية، حيث يُستخدم الخطاب المعادي للغرب كأداة لتعزيز المواقع المحلية واصطياد الخصوم في الداخل.
المعضلة الأمريكية: شريك غير قابل للتنبؤ
يضع هذا التشرذم واشنطن أمام تحدٍ سيادي؛ فالنظام الإيراني المتعدد الرؤوس يصبح "غير قابل للتنبؤ" وعرضة لسوء التقدير الاستراتيجي. ويخلص التقرير إلى نتيجة مريرة لصناع القرار الدوليين:
"إن غياب جهة مركزية قادرة على تنفيذ الالتزامات يجعل أي مسار تفاوضي مخاطرة غير محسومة، فالفصائل المتشددة قادرة على تفجير أي اتفاق من الداخل حتى لو وقع عليه الرئيس أو وزارة الخارجية."
الخلاصة:
تقف إيران اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ حيث الصراع الحقيقي ليس مع الخارج فحسب، بل في "الأمعاء" الداخلية للنظام. إن قدرة هذه الأجنحة على حسم صراعها أو التوافق على "زعيم ظل" جديد هي من سيحدد ما إذا كانت إيران ستتجه نحو "انفتاح اضطراري" أم ستنزلق إلى "مواجهة داخلية" مفتوحة تسبق لحظة الانتقال الكبرى.

