تابعنا

الحوثي يقدم للسعودية والعالم فرصة تاريخية للقضاء عليه

الحوثي يقدم للسعودية والعالم فرصة تاريخية للقضاء عليه

كتب / أنس الخليدي

في سجل التاريخ الجيوسياسي توجد مفارقة حتمية مفادها أن الكيان الذي يسعى للبقاء عبر التصعيد الأعمى يصبح في النهاية المهندس الرئيسي لفنائه الخاص، والحوثي ليس استثناء من هذه القاعدة بل هو تجليها المعاصر الأكثر وضوح. فمنذ حرب 12 يوم، لم يعد الحوثي يكتفي بكونه تمرد محلي يمكن احتواؤه بل تحول إلى آلة تصعيد متسارعة تقدم في كل جولة من جولات الصراع في المنطقة مبررات جديدة وحجج قاطعة وذرائع كافية لمن يملكون الإرادة لإنهائه والقضاء عليه، وبلغت هذه الوتيرة ذروتها الأيام الأخيرة حيث كثف الحوثيين من الأسباب المكتملة للقضاء عليه.

والنقطة الفاصلة والتي تمثل تحول جيوسياسي حقيقي، تكمن في الوقائع الموثقة لنقل طهران تقنيات عسكرية محرمة ومحظورة دولياً إلى الحوثيين بما في ذلك مكونات الطائرات المسيرة والصواريخ المتطورة التي يتم تهريبها على شكل قطع لتصنيعها محليًا في ورش سرية. هذا الفعل لا يقرأ في إطار الدعم اللوجستي المعتاد لمليشيا بل يمثل اختراق صريح وفاضح لمعاهدات عدم الانتشار وتحويل للأراضي اليمنية إلى منصة لإطلاق تهديدات غير تقليدية تمس خطوط الملاحة العالمية والأمن البحري الدولي، وسلامة دول الجوار، وهنا سقطت ورقة التوت الدبلوماسية تمامًا، فالقضاء على الحوثيين لم يعد يندرج تحت بند استعادة الشرعية المحلية فحسب بل أصبح أولوية قصوى للأمن القومي الإقليمي والدولي وشرط مسبق لا غنى عنه لاستقرار المنظومة الأمنية العالمية مما يجعل من هذه المعركة واجب أممي وإقليمي قبل أن تكون يمنية.

وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، تقف الرياض اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يحتم عليها إعادة التقييم الجذري لحسابات الصبر والاحتواء المعتادة، فالتهديد الذي يكبر في خاصرتها الجنوبية لم يعد مجرد ميليشيا حدودية يمكن إدارتها عبر التهدئة المؤقتة بل أصبح كيان هجين يتسلح بتقنيات متقدمة تجعل منه خطر وجودي مباشر على العمق الاستراتيجي للمملكة. فالسعودية اليوم تمتلك المعادلة النادرة والمثالية، تملك الغطاء الدولي المطلق بسبب تحول التهديد إلى خطر عالمي والمبرر الأمني القاطع بسبب التصعيد التقني والعسكري للخصم والفرصة التاريخية غير المسبوقة لتحويل المعركة من دفاع عن الحدود إلى هجوم استباقي حاسم لإنهاء التهديد من جذوره.

وكقاعدة التاريخ العسكري يعلمنا أن الفاعلين الذين يدفعون خصومهم لتجاوز الخط الأحمر الوجودي، ينتجون في الواقع شروط فنائهم الذاتي، فالمعركة القادمة لن تكون جولة جديدة من جولات استنزاف الحدود بل عملية جراحية نهائية مدعومة دوليًا وإقليميًا، تستهدف استئصال ورم تقني وعسكري كبر على حسابات أمنية تشمل الجميع، فالحوثي قدم بغطرسته العمياء التبرير المطلق والغطاء السياسي والفرصة الحاسمة لإنهاء فصله الأسود إلى الأبد.