تفكيك (القبضة الإيرانية) على الأجواء اليمنية: كيف أربك الإعلان الأردني بشأن مطار صنعاء حسابات الحوثيين؟
متابعات خاصة
أحدث إعلان الخطوط الجوية الملكية الأردنية عن استكمال ترتيباتها الفنية واللوجستية لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى مطار صنعاء الدولي، ارتدادات واسعة وترقباً سياسياً معقداً في المشهد اليمني. هذا التحول الإستراتيجي في ملف الملاحة الجوية لا يبدو مجرد خطوة لوجستية عابرة، بل يأتي ككبح جماح وتفكيك لأزمة إقليمية حادة فجرها الاختراق الإيراني للأجواء السيادية اليمنية، وتصاعد نذر المواجهة بين الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي.
وكان التلفزيون الرسمي الأردني قد أكد أن الناقل الوطني للمملكة يضع اللمسات الأخيرة على المتطلبات التشغيلية والأمنية الإلزامية قبل التدشين الفعلي للخط الجوي، دون الإعلان عن موعد محدد، مرجئاً ذلك لضمان سلامة الطيران المدني والتنسيق الكامل مع السلطات الشرعية المعترف بها دولياً.
أبعاد التوقيت: الرد على "القرصنة الجوية" الإيرانية
يأتي التطور الأردني بمثابة جدار صد سياسي وقانوني أمام محاولات طهران فرض واقع ملاحة مشبوهة في سماء اليمن؛ حيث شهدت الأسابيع الماضية غلياناً حكومياً إثر تسيير رحلات جوية إيرانية مباشرة ومجهولة الحمولة إلى مطار صنعاء، وهو ما اعتبرته الحكومة اليمنية "انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، وتحويل للمرفق المدني إلى محطة لتهريب السلاح والخبراء".
وفي هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية عن بيان وشيك لوزارة الخارجية اليمنية، سيميط اللثام عن تفاصيل طلب رسمي تقدمت به الحكومة الشرعية إلى عمان لتفعيل هذا الخط، في خطوة بالغة الذكاء لسحب البساط من تحت الذرائع الحوثية، وحصر حركة السفر عبر قنوات رسمية تخضع لرقابة القوانين الدولية.
قراءة ثلاثية الأبعاد للمشهد
تحليل الخلفيات السياسية لهذا القرار يعكس معادلة معقدة من المكاسب والتنازلات المتبادلة. وفي هذا الإطار، يرى الصحفي والمحلل السياسي محمد عبداللطيف الصعر أن التطور الجديد يمكن تفكيكه عبر ثلاثة مسارات إستراتيجية متوازية:
1. المكسب الحوثي (المحدود): نجحت الجماعة في تخفيف وطأة العزلة الجوية المفروضة على مطار صنعاء استجابة لضغوط الشارع المعيشية.
2. المكسب الحكومي (الإستراتيجي): حققت السلطة الشرعية هدفها الأهم بإغلاق الأجواء تماماً أمام الطيران الإيراني، وقطع شريان الإمداد المباشر لطهران.
3. الدور الإقليمي: برزت الجهود الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية كمحور أساسي في هندسة هذا المخرج، بهدف نزع فتيل الانفجار العسكري الوشيك ورعاية صيغة تهدئة منضبطة.
انكسار "التعنت" والتراجع الحوثي الإيراني
من جانبه، يصف المحلل السياسي محمود الطاهر القبول الحوثي بالخطوط الأردنية بأنه "انكسار واضح لصلف الجماعة ومن خلفها طهران". وأوضح الطاهر أن الحوثيين خضعوا في نهاية المطاف للشروط الشرعية، بعد أن رفضوا سابقاً عروضاً ومقترحات متكررة لتسيير رحلات عبر مسارات أردنية أو عمانية، متمسكين بإصرار راديكالي على فتح خط مباشر مع إيران.
"القبول الحوثي بالطيران الأردني اليوم هو تراجع تكتيكي يعكس اختلالاً في موازين القوى، وإدراكاً من الجماعة ورعاتها في طهران بأن المضي في مقامرة الأجواء المفتوحة سيواجه برد عسكري وسياسي لا قبل لهم به." — محمود الطاهر
مأسسة الطيران وتخفيف المعاناة الإنسانية
على المقلب الآخر، يرى الكاتب والصحفي سعيد ثابت أن الخطوة الأردنية ليست وليدة الصدفة، بل تتسق بنيوياً مع المقررات الصادرة عن مجلس القيادة الرئاسي اليمني في العاشر من يوليو، والتي أبدى فيها استعداده لتسهيل الرحلات التجارية، وتتكامل مع بيان وزارة النقل اليمنية في الحادي عشر من الشهر ذاته والذي وضع الإطار القانوني لتوسيع الوجهات الرسمية.
وشدد ثابت على أن انتظام هذه الرحلات وفق بروتوكولات التنسيق المشترك بين عدن وعمّان من شأنه تحقيق هدفين رئيسيين:
• إنسانياً: رفع المعاناة الطبية والمعيشية عن كاهل آلاف المرضى والمسافرين اليمنيين العالقين في الداخل.
• سيادياً: إعادة الاعتبار للسيادة القانونية للدولة اليمنية، وتحييد ملف الطيران المدني والمطارات والمنافذ الحيوية عن التوظيف السياسي أو العسكري من قبل المليشيا الحوثية.

