تابعنا

رحلة الأقوياء: من سكرة القوة إلى صحوة النهاية

رحلة الأقوياء: من سكرة القوة إلى صحوة النهاية

محمد جميح

توماس هوبز، أحد أبرز فلاسفة الفكر السياسي البريطاني يقول: إن «لدى الإنسان رغبة دائمة لا تهدأ، في امتلاك قوة بعد قوة، لا تنتهي إلا بالموت».
ولكن لماذا يسعى الإنسان إلى القوة، بأشكالها المختلفة؟ يرى عدد من الفلاسفة – منهم هوبز – أن سعي الإنسان لامتلاك القوة غريزة مرتبطة بخوفه، وبسعيه لحماية نفسه، ويرى فريدريك نيتشه أن ذلك يرجع لرغبة الإنسان في تجاوز حدوده، ليجسد شخصية «السوبرمان»، أما أفلاطون فكان يرى أن ذلك مرتبط بإرادة الخير لدى الإنسان الذي يجب أن يكبح جماح قوته، ويقيدها بحدود القيم، ويخضعها للعقل، قبل أن تكون سبباً في هلاكه.
وتتوالى الأسئلة: لماذا خرج أدولف هتلر عن حدود ألمانيا، وتجاوزها إلى بولندا؟ ولماذا تجاوز جوزيف ستالين حدود الاتحاد السوفيتي اللينيني إلى أوروبا الشرقية؟ ولماذا كانت العاصفة النابليونية التي لم تعترف بحدود ثابتة؟ وقبلهم لماذا تخطى البريطانيون والفرنسيون والإسبان والبرتغاليون والقبائل الجرمانية والرومان والفرس والعرب والترك والمغول وغيرهم من الأمم حدودهم؟ ولماذا يحضر الأمريكيون – اليوم – على كل الخرائط والحدود المعروفة؟ وهل هناك – بالفعل – حدود معروفة يتم الالتزام بها، دون تجاوزها؟ هل عرفت الجغرافيا تلك الحدود، أو ذكرها التاريخ؟ أليست حدود الخرائط مطاطية، تتسع وتنكمش في الجغرافيا، حسب مجريات التاريخ وأحداثه، ووفقاً لقوانين القوة، دون التزام بالقواعد والاتفاقيات والمعاهدات؟
مرة أمسك رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أثناء إلقاء خطابه، من على منبر الأمم المتحدة، أمسك بخريطة تضم فلسطين التاريخية كلها، على أساس أنها خريطة «أرض إسرائيل»، يعرضها «مَلِك إسرائيل»، من على منبر المنظمة الدولية التي أقرت حدود الدولة الفلسطينية، دون أن ينسى هذا الملك استلهاماته التاريخية، والأسطورية التي تريد التأسيس لسردية جديدة، يبررها بقوله: إننا نواجه «أعداء متوحشين يسعون إلى إبادتنا، ويجب علينا أن ندافع عن أنفسنا ضد هؤلاء القتلة المتوحشين»، الذين قتلهم جيشه في غزة، وتجاوز عددهم السبعين ألفا، تؤكد التقارير الدولية أن ثلثيهم نساء وأطفال.
أما الإيرانيون فتحدثوا كثيراً عن حدودهم التي تمتد إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، وعن سيطرتهم على البحر الأحمر، وتحدثوا عن أن «مساحة إيران أكبر من حدودها الجغرافية»، وقال علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إن «إيران أصبحت إمبراطورية، عاصمتها العراق»، وهي الإمبراطورية التي أرسل المرشد الراحل علي خامنئي ميليشياته، من أجل تثبيت حدودها على سواحل البحر المتوسط في سوريا، لأن إيران «لو لم تقاتل في سوريا لقاتلت داخل حدودها»، حسب عبارة المرشد الراحل.
وفي حين تسقط كل مبررات السلوك العدواني تظهر «سكرة القوة» التي تصيب الإنسان، فتجعله يشعر أن ملابسه لم تعد مفصلة على حدود قوة عضلاته، وهي القوة التي عندما تتراكم لدى شخص من الأشخاص، أو شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم تضيق الخريطة بالحدود، وتتضخم الجغرافيا، وبالتالي يتكثف التاريخ في اللاوعي الجمعي، وفي وعي النخب السياسية والعسكرية التي ترى ضيق الخرائط، وترى الحاجة لتجاوز الحدود. ومن هنا يبدأ الطموح الإمبراطوري في التحرك، خارج الحدود الجغرافية، ويبدأ العمل على إيجاد المبررات المختلفة لتجاوز تلك الحدود، ويستفاد من التاريخ لإعادة تشكيل الجغرافيا، ويستعان بالماضي لإعادة صياغة الحاضر، ولإضفاء المشروعية، وللتعبئة والتحشيد، ولهدف آخر، متعلق بشيطنة الآخر، من أجل تبرير تجاوز الحدود والعدوان.
وهكذا كلما تضخمت الجغرافيا تكثف التاريخ، وكلما تكثف التاريخ زاد من تضخم الجغرافيا، ضمن دوائر التأثر والتأثير، إلى الحد الذي يبلغ فيه التضخم الجغرافي منتهاه، لتأتي مرحلة التراجع التي ذكر ابن خلدون أنها حتمية، على اعتبار أن الدول كالناس، لها أعمار محددة، تولد وتنمو، ثم تشب وتقوى، ثم تهرم وتموت.
ومن الحدود المتحركة تندلع الحروب، ومنها تولد الدول، وتنبثق الحضارات، وتتمازج الثقافات، وتختلط الأعراق، ويعاد بالفعل تشكيل الجغرافيا، وصياغة التاريخ، مداً وجزراً، وقوة وضعفا، حسب نواميس طبيعية، هي في دقة قوانين الفيزياء والرياضيات، وإن كانت لا تدرك إلا بالتأمل العميق لحركتي التاريخ والجغرافيا.
يقول السياسي والمؤرخ البريطاني جون دالبرغ – أكتون إن «القوة المطلقة مفسدة مطلقة»، وهكذا فإن قدراً معقولاً من القوة مطلوب للبناء، لكن تجاوز هذا القدر قد يؤدي إلى الهلاك، وهو ما رأيناه من خلال مسيرات أولئك المغامرين الذين انطلقوا بسرعة البرق، وخلفوا الكثير من الغبار والرماد، بعد أن أصابتهم تلك السكرة التي تصيب الأشخاص والدول والأنظمة التي تبلغ ذروة القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتظن أن تلك القوة تعطيها الحق، في تجاوز حدود الجغرافيا، وقواعد التاريخ، وقيم الإنسان، فتصاب بالعمى السياسي، والقراءات الخاطئة للواقع، والتوقعات غير المدروسة للمستقبل، وهي النقطة التي تحدث عندها الانعطافة الخطيرة، من القمة إلى القاع، ثم السقوط الحتمي الذي يجري وفقاً للسنن الواضحة التي لا يراها من أدمنوا تعاطي القوة، حتى سكروا بها.
ورد في القرآن الكريم آية عميقة في دلالتها، نصها: «ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر»، في إشارة إلى شغف الإنسان بمراكمة القوة العددية والمالية والسلطوية، وهو ما يلهيه عن إدراك النهاية التي يراها الجميع، عدا أولئك الذين تحكمت بهم «سكرة القوة»، إلى أن وصلوا إلى المرحلة النهائية التي عندها يفيقون الإفاقة المتأخرة التي ورد ذكرها في نص الآية القرآنية الأخرى: «لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد».
وهنا يسدل الستار، وينتهي المشهد، وتذهب السكرة، وتحضر الفكرة، في لحظة سريعة، هي اللحظة ذاتها التي انتحر فيها هتلر في مخبئه، يوم 30 أبريل عام 1945، وهي ذات اللحظة التي توفي فيها نابليون، طريداً وحيداً، في منزل معزول، بجزيرة نائية، يوم5 مايو عام 1821، وهي اللحظة التي تفتح عيون الأقوياء، ولكن بعد فوات الأوان.

* نقلاً عن جريدة القدس العربي