عمال غزة الرقميون: شريان حياة في ظل الحرب وآفاق مستقبلية
في ظل الظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة، يبرز قطاع التكنولوجيا الرقمية كشريان حياة للشباب العاطلين عن العمل، مقدمًا لهم فرصًا لكسب الدخل والعمل عن بعد مع عملاء دوليين، مما يمثل بصيص أمل لمستقبل أفضل.
تصف ولاء وليديس، مهندسة برمجيات فلسطينية، شعورها بالضياع خلال الحرب، لكنها أكدت تصميمها على النضال من أجل أحلامها. تعمل ولاء، البالغة من العمر 24 عامًا، على تطوير مهاراتها في مجال الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت، رغم التحديات اليومية التي تواجهها كلاجئة في خيمة بوسط غزة، حيث تعول والديها وأربعة من أشقائها الأصغر. فقدت ولاء وظيفتها وجامعتها وأفرادًا من عائلتها، لكنها ركزت على إيجاد عمل، مؤكدة أن التوقف عن العمل أو البكاء على الوضع لن يغير شيئًا.
تعد ولاء من آلاف الشباب الغزيين الذين يتجهون نحو العمل في الاقتصاد الرقمي. في ظل الدمار الذي لحق بالقطاع، حيث يعتمد مليونا نسمة على المساعدات الإنسانية، توفر الأعمال عبر الإنترنت، وخاصة العمل الحر، فرصًا واعدة. تقول نيكول هار، من منظمة "ميرسي كوربس" الإنسانية الأمريكية، إن هذه الفرص الرقمية تمثل "شريان حياة"، وتساعد الأفراد على استعادة استقلالهم المالي وعدم الاعتماد على المساعدات.
قبل الحرب الأخيرة، كان لغزة قطاع تكنولوجي ناشئ. ورغم الحصار المفروض على القطاع، كان العمل عن بعد في البرمجة والتصميم يوفر للشباب خريجي الجامعات سبيلاً لتجاوز قيود الحدود. تأسست منظمة "غزة سكاي جييكس" عام 2012 بدعم من جوجل وميرسي كوربس، بهدف تعزيز الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، وشملت أنشطتها دورات في البرمجة وتقديم المشورة للوصول إلى الأسواق العالمية. وقد دمرت اثنتان من مراكزها خلال الحرب.
تدعم منظمة "ميرسي كوربس" حاليًا مساحات عمل مشتركة جديدة ظهرت في أنحاء غزة، تعتمد على مولدات الطاقة والألواح الشمسية لتوفير اتصالات إنترنت أفضل وإمدادات طاقة أكثر استقرارًا، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية للطاقة وتضرر شبكات الاتصالات.
يواجه العاملون في هذا القطاع تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة تحصيل الأموال، حيث أن البنوك لم تعد فتح أبوابها بالكامل، وهناك نقص حاد في النقد. كما يواجه الفلسطينيون قيودًا دولية على المعاملات المصرفية، ولا يمكنهم التسجيل في معظم منصات الدفع الرقمي. يلجأ البعض إلى أقاربهم في الخارج، بينما يعتمد آخرون على وسطاء يتقاضون رسومًا عالية، مما يقلل من قيمة أجورهم.
رغم المخاطر، يسعى عمال غزة الرقميون إلى طمأنة العملاء المحتملين بقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم. يقول ماهر بايد، الذي يعيش مع عائلته في خيمة بالقرب من مستشفى الشفاء المدمر، إنه وفريقه يبلغون العملاء بأنهم قد لا يتمكنون من إكمال المشاريع "إذا قُتلنا"، لكنهم سيحاولون تسليم العمل عبر الإنترنت. فقد ماهر معداته ومنزله ومكتبه، لكن العمل الحر في تطوير التطبيقات والمواقع الإعلانية يمثل له متنفسًا وهدفًا، ويتيح له التعاون مع فرق دولية.
تُصنف إسرائيل أجهزة الكمبيوتر وقطع الغيار ضمن مواد "الاستخدام المزدوج"، وتمنع استيرادها، مما يزيد من صعوبة إصلاح الأجهزة المتضررة. ومع ذلك، تؤكد ولاء وليديس، التي حصلت مؤخرًا على وظيفة بدوام كامل في شركة مقرها دبي بدعم من منظمة غير حكومية، على أهمية مساعدة عائلتها وتوفير العلاج لشقيقتها المريضة، بالإضافة إلى سعيها للحصول على منحة دراسية للسفر. وفي ظل تعثر تعافي غزة، يقدم عمال التكنولوجيا لمحة عن مستقبل مشرق ممكن.

