أفيون (الصرخة) وحرب الداخل بذريعة (الشيطان الأكبر): الحوثيون تحت المظلة الأمريكية!
فهد ياسين
فضلا عن قفز المليشيات على مجمل شعاراتها و (عقيدتها) السياسية الانتهازية؛ التي ترفع لواء العداء لأمريكا وإسرائيل، وشعار الموت لهما، فإن المليشيات تكرس ما قيل دائما حول الطبيعة الانتهازية للمليشيات المرتبطة بأجندة وسياسات دولية، كأداة تنفيذية وبيدق في خدمة فاعلين عالميين، وبالتالي شمولهم تحت مظلة الرعاية والحماية الأمريكية.
مسارعة الحوثيين إلى تفعيل الاتصالات، وطلب خدمات خط الاتصال الساخن وقنوات التواصل الخلفية، مع الأمريكيين مباشرة- وضمنيا مع الإسرائليين عبر واشنطن- من شأنه أن يعيد التذكير؛ بمعطيات ومقدمات تعود إلى سنوات في الخلف، سلطت الضوء مرارا على طبيعة المشروع الحوثي المليشياوي المسلح، وارتباطاته المباشرة مع دوائر وغرف دولية وعالمية.
وكما قيل أيضا؛ يُسلط هذا التواصل المباشر والسري بين الحوثيين والإدارة الأمريكية الضوء على الفجوة الكبيرة بين الخطاب الأيديولوجي الموجّه للاستهلاك الشعبي، وبين البراغماتية السياسية التي تحكم تحركات الجماعة على أرض الواقع. علاوة على مغيبات وكواليس العلاقات الإيرانية الغربية بما فيها حقيقة الصراع وطبيعته وأدواته "البيادق" على الأرض.
بطريقة كاشفة للغاية، يفضح هذا التطور شعارات وعقيدة المليشيات الحوثية خاصة، والجماعات الدينية المسلحة والمنخرطة في الأجندة والصراعات الإقليمية والعالمية.
وفيما يخص جماعة "الشعار" الأثير أو "الصرخة"، التي نشأت عليها وأنشأت المليشيات الحوثية مشروعا مسلحا، عسكريا وإيديولوجيا وعقائديا، يقوم على مركزة الصراع والعداء البات مع أمريكا وإسرائيل؛ تفضح التطورات المتلاحقة وما يتسرب للإعلام وتؤكده الدوائر الرسمية وعلى مستوى الرئيس الأمريكي ونائبه الحقيقة الكامنة وراء الشعارات والدعايات الصاخبة.
وكشفت وكالة رويترز، مؤخرا، في تقرير استند إلى مصادر مطلعة عن اجتماع سري عُقد في سلطنة عُمان بين مسؤولين أمريكيين وقيادات من جماعة الحوثيين. وأشارت التغطية إلى أن الإدارة الأمريكية تواجه خيارات معقدة وسط تصعيد متبادل في المنطقة.
سقوط الشعار- "الصرخة"
من المثير أن شعار "الموت لأمريكا" وسلوك المليشيات يكشفان مدى التناقض العقائدي والانتهازية السياسية؛ حيث تُبنى العقيدة التعبوية للحوثيين على شعار "الصرخة" الذي يطالب بـ "الموت لأمريكا". غير أن الجلوس مع المسؤولين الأمريكيين في غرف مغلقة وتقديم رسائل تطمين لهم يفضح هذا الشعار، ويظهره كأداة للتحشيد الداخلي والتدجين العقائدي ومغازلة العواطف، وليس سياسة حقيقية.
حرب الداخل بذريعة أمريكا
ولا تكفي وحدها "البراغماتية المفرطة" لتفسير سلوك وطبيعة المليشيات وسياساتها المتناقضة مع شعاراتها التعبوية. وما حدث ويحدث يصدم الشارع اليمني والعربي بمفارقة صارخة؛ حيث يتم قصف المدن ومحاصرتها داخلياً تحت لافتة "مواجهة الاستكبار الأمريكي"، بينما تُفتح قنوات اتصال خلفية مع واشنطن بمجرد تعرض الجماعة لضغوط عسكرية أو سياسية.
تحت مظلة "الشيطان الأكبر"
وفي الصورة الأكبر، يتم بالفعل وبصورة حثيثة نسف سردية "مواجهة الشيطان الأكبر. ويتحول الحوثة بدون أي حرج أو محاولة للتجمل؛ من العداء المطلق إلى البحث عن الاعتراف.
فإذا كانت تُصنّف أدبيات الحوثيين (المستوحاة من الثورة الإيرانية) الولايات المتحدة بأنها "الشيطان الأكبر" الذي لا يمكن مهادنته، فإن المسارعة للتواصل مع إدارة ترامب يثبت أن الجماعة تبحث في نهاية المطاف عن شرعية دولية واعتراف أمريكي بوجودها كقوة أمر واقع، حتى لو كان ذلك على حساب عقيدتها المعلنة.
أفيون لتخدير الجمهور
ومثلما تفعل الدعاية الحوثية مع الاتباع بوصفهم مجرد "قطيع" يتم تلوين وتذويق التنازل بذريعة "المناورة"؛ حيث تحاول القيادات الحوثية التبرير لجمهورها على أن الاتصالات والتواصلات مع الأمريكيين ما هي إلا "تكتيك سياسي"، ولا تعبأ باقتناع الجمهور من عدمه، ولا تهتم أصلا بما إذا كانت المصداقية مهمة لديها وتجاه جمهورها المخدوع والمخدر بأفيون الشعار والصرخة.
نهج إيراني: تنازلات للحفاظ على المكاسب
تنتهج المليشيات الحوثية في اليمن، نهج وعقيدة الحرس الثوري الإيراني، بتقديم التنازلات للحفاظ على المكاسب. ويُظهر هذا السلوك أن الجماعة مستعدة لتقديم تطمينات أمنية مباشرة للدول الكبرى لحماية مكاسبها الميدانية الأخيرة، وتجنب الضربات القاسية، مما يثبت أن الحفاظ على السلطة والأرض مقدم على أي مبدأ عقائدي.
على أن التطمينات الأمنية لحماية الملاحة الأمريكية وحتى السفن الإسرائيلية، تفضح الاستهداف الانتقائي للسفن والملاحة السعودية. فإبلاغ الحوثيين للإدارة الأمريكية بأنهم "يسمحون بمرور السفن" وأنهم "لا يريدون مواجهة عسكرية معها"، يتناقض تماماً مع استعراضات القوة البحرية وادعاءات فرض حصار بحري شامل.
مجمل سلوك الحوثيين ونهجهم العملياتي المتبع إنما يعبر عن احتذاء النهج الإيراني، ويعكس محاكاة دقيقة للسلوك الإيراني؛ حيث تمارس طهران التصعيد الإقليمي عبر أذرعها، لكنها تبقي دائماً على قنوات دبلوماسية واستخباراتية مفتوحة مع واشنطن (سواء في مسقط أو جنيف).
وحقا؛ كما قيل: هذا التطور يثبت أن الحوثيين ليسوا استثناءً، وأنهم يتحركون ضمن ذات المنظومة البراغماتية التي تقدم "المصالح السياسية والبقاء" على الشعارات الثورية.

