تابعنا

هل قررت باكستان التدخل إلى جانب السعودية؟

هل قررت باكستان التدخل إلى جانب السعودية؟

وكالات | متابعات دولية : تقترب باكستان من اختبار صعب في علاقتها الأمنية مع السعودية، بعدما انتقلت رسائل إسلام آباد إلى طهران من الدعوة إلى احتواء هجمات الحوثيين إلى التلويح بإمكانية الدفاع عن المملكة إذا طلبت الرياض ذلك. ويأتي ذلك فيما تتصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، لتضع باكستان أمام سؤال لم تعد الإجابة عنه دبلوماسية فقط: هل تتحول التزاماتها تجاه السعودية إلى تدخل عسكري مباشر؟

وكشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير حث المسؤولين الإيرانيين مراراً على المساعدة في وقف هجمات الحوثيين على السعودية، مستنداً إلى التزامات بلاده الدفاعية تجاه الرياض. وبحسب مصادر مطلعة على المحادثات، أبلغ منير الجانب الإيراني بأن باكستان قد تضطر إلى الدفاع عن السعودية إذا فعّلت المملكة التزامات الدفاع المشترك وطلبت دعماً باكستانياً.

وتكتسب الرسالة أهمية أكبر لأنها جاءت في وقت تحاول فيه إسلام آباد الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران، بينما ترتبط في الوقت نفسه بعلاقة دفاعية وثيقة مع الرياض. وكان منير قد زار إيران في أغسطس، والتقى الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ومسؤولين إيرانيين، كما أجرى اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في إطار مساعٍ لخفض التصعيد الإقليمي.

لكن التطور اللافت جاء من داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية نفسها. فقد قال المدير العام للعلاقات العامة في الجيش، الفريق أحمد شريف تشودري، إن باكستان تقف إلى جانب السعودية دبلوماسياً وجسدياً ، وإنها مستعدة للذهاب إلى أي مدى للدفاع عن المملكة. وأضاف أن بلاده موجودة بالفعل في السعودية وستواصل المساعدة في حماية المملكة والأماكن المقدسة.

هذه اللغة تمثل رفعاً واضحاً لسقف التعهد السياسي، لكنها لا تعني أن إسلام آباد اتخذت قراراً بإرسال قوات إلى اليمن أو المشاركة في عمليات هجومية ضد الحوثيين. فالتصريحات الباكستانية تتحدث عن الاستعداد للدفاع عن السعودية، بينما تشير المعطيات التي أوردتها فايننشال تايمز إلى أن أي تحرك عسكري محتمل سيكون مرتبطاً بطلب رسمي من الرياض. كما لم تعلن السعودية حتى الآن طلب تدخل عسكري باكستاني مباشر.

من الممكن أن يبدأ أي دعم باكستاني بتعزيز حماية المجال الجوي السعودي أو المساعدة في اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وهي مهام تختلف عن الانخراط في حملة عسكرية

وهنا تظهر المسافة بين الالتزام بالدفاع وقرار الدخول في الحرب. فمن الممكن أن يبدأ أي دعم باكستاني بتعزيز حماية المجال الجوي السعودي أو المساعدة في اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وهي مهام تختلف عن الانخراط في حملة عسكرية داخل اليمن. وقد نقلت فايننشال تايمز عن الباحث عمر كريم أن طبيعة أي مساعدة باكستانية ستعتمد بدرجة كبيرة على قرار الرياض نفسه بشأن مدى اتساع المواجهة.

وتحاول إسلام آباد في الوقت نفسه تجنب تحويل التزامها بالسعودية إلى مواجهة مباشرة مع إيران. فباكستان ليست مجرد طرف مرتبط بالرياض، وإنما احتفظت خلال الفترة الأخيرة بقنوات اتصال مع طهران، بل لعبت دوراً في مساعي الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. ولذلك فإن انتقالها من الضغط على إيران لوقف هجمات الحوثيين إلى المشاركة العسكرية المباشرة يمكن أن يغيّر موقعها في الأزمة الإقليمية بصورة كبيرة. وتقول رويترز إن التصعيد السعودي الحوثي يضع باكستان أمام اختبار متزايد لدورها المزدوج كشريك دفاعي للرياض وقناة اتصال مع طهران.

ويأتي التشدد الباكستاني في وقت أصبحت فيه الهجمات الحوثية أكثر كلفة على السعودية. فقد تعرضت مدن ومنشآت حيوية في المملكة لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة، فيما استهدفت ضربات أخرى البنية التحتية للطاقة. وأفادت تقارير بأن الرياض طلبت مساعدة من عدد من الدول لتعزيز مخزونها من صواريخ الاعتراض، في ظل اتساع نطاق التهديدات واستمرار الحرب الإقليمية.

كما اكتسبت المسألة بعداً إضافياً بعد إعلان السعودية إحباط محاولة استهداف مكة بطائرة مسيرة، وهو ما أثار إدانات واسعة، فيما نفى الحوثيون الاتهام. وفي هذا السياق، شددت باكستان على حساسية حماية الأماكن المقدسة، وجعلت ذلك جزءاً من خطابها بشأن أمن المملكة.

ومع ذلك، فإن دخول باكستان الحرب يظل قراراً مختلفاً عن إصدار بيانات الدعم. فالتدخل المباشر قد يفرض على إسلام آباد حسابات عسكرية وسياسية معقدة، خصوصاً إذا امتدت العمليات إلى الأراضي اليمنية أو تحولت المواجهة السعودية الحوثية إلى حرب إقليمية أوسع.

لهذا تبدو الرسالة الباكستانية الحالية أقرب إلى ردع التصعيد وإبلاغ طهران بأن استمرار الهجمات قد تكون له تداعيات تتجاوز الساحة اليمنية، وليس إعلاناً بأن القوات الباكستانية تستعد لدخول الحرب. فالكرة، وفق المعطيات الحالية، ما زالت في ملعب الرياض: إذا طلبت السعودية دعماً عسكرياً مباشراً، ستواجه إسلام آباد اختباراً حقيقياً لمدى استعدادها لتحويل تعهداتها السياسية والأمنية إلى فعل عسكري.

ويبقى السؤال الذي تفرضه التطورات الأخيرة: هل ستكتفي باكستان باستخدام التزامها الدفاعي كورقة ضغط على إيران والحوثيين، أم أن استمرار استهداف السعودية سيدفع الرياض إلى طلب المساعدة، وعندها تنتقل إسلام آباد من التحذير إلى التدخل؟