الذهب ليس للزينة فقط: كيف يدعم هذا المعدن الثمين تكنولوجيا المستقبل من الهواتف حتى الفضاء؟
الذهب يتجاوز قيمته التقليدية كمجوهرات واستثمار ليصبح عنصراً حيوياً في قلب التكنولوجيا الحديثة، من الهواتف الذكية والعملات المشفرة إلى صناعات الفضاء والطاقة المتجددة، بفضل خصائصه الفريدة مثل مقاومة التآكل والتوصيل الكهربائي الممتاز.
يؤكد خبراء أن القيمة الحقيقية للذهب اليوم تكمن في قدرته على دعم التقنيات التي تشكل مستقبلنا. ويوضح خبير تكنولوجيا المعلومات إسلام غانم أن الذهب ضروري في مجال الاتصالات وتعدين العملات المشفرة كـ "بيتكوين"، حيث يتم تبني أجهزة حاسوبية متطورة تستخدم وحدات معالجة تحتوي عليه.
الهواتف الذكية، وعلى رأسها أجهزة آيفون، تحتوي على نسبة من الذهب، مما يدفع شركات مثل آبل لتبني سياسات استرجاع وإعادة تدوير للإصدارات القديمة. يوجد الذهب بشكل أساسي في "اللوحة الأم" (اللوحة المركزية للدوائر) وموصلات الشرائح لضمان المتانة ومقاومة الصدأ. تشير التقديرات إلى أن هاتف آيفون عادي يحتوي على حوالي 0.034 جرام من الذهب، بالإضافة إلى فضة وبلاديوم ومعادن أخرى.
تعتمد الصناعات التكنولوجية على أربع خصائص رئيسية للذهب: مقاومته للتآكل والأكسدة، قابليته للطرق والسحب لتشكيل أسلاك دقيقة، توصيله الفائق للكهرباء والحرارة، وقدرته على عكس الأشعة تحت الحمراء. بالإضافة إلى ذلك، توافقه الحيوي يجعله مثالياً للتطبيقات الطبية، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب والغرسات، حيث تُستخدم جزيئات الذهب النانوية لتطوير علاجات دقيقة للسرطان والتهاب المفاصل.
في قطاع الفضاء، يتألق الذهب بفضل متانته وقدرته العاكسة؛ إذ يُستخدم لتغطية مكونات الأقمار الصناعية لحمايتها من الإشعاع الشمسي والحرارة القصوى. وتتطلب كل عملية إطلاق قمر صناعي حوالي 50 جراماً من الذهب. كما يلعب دوراً متزايداً في الطاقة المتجددة، حيث تُحسن طبقات الذهب الرقيقة من كفاءة الألواح الشمسية وخلايا وقود الهيدروجين.
ومع التوسع الهائل للذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الذهب بشكل كبير لدعم المعالجات والمستشعرات في مراكز البيانات والسيارات ذاتية القيادة. هذا الطلب المتزايد يضع ضغطاً على المعروض العالمي المحدود، مما يعزز قيمة الذهب كمكون لا يمكن الاستغناء عنه تكنولوجياً.
في سياق الاستدامة، أصبحت إعادة تدوير النفايات الإلكترونية مصدراً مهماً. فالعالم ينتج ملايين الأطنان من هذه النفايات سنوياً. وتشير التقديرات إلى أن إعادة التدوير يمكن أن تلبي جزءاً كبيراً من الطلب المستقبلي على المعادن النادرة. وتظهر شركات ناشئة أرباحاً كبيرة من استخلاص المعادن الثمينة من لوحات الدوائر القديمة، حتى أن جهات مثل دار سك العملة الملكية البريطانية تحولت جزئياً إلى إعادة تدوير هذه النفايات لإنتاج مجوهرات فاخرة.

