تابعنا

الحوثيين .. سرقة واستغلال أموال وأملاك الأوقاف..!

الحوثيين .. سرقة واستغلال أموال وأملاك الأوقاف..!

سرقة واستغلال أموال وأملاك الأوقاف

 

همدان العليي

‏يعرف الوقف في الإسلام، بأنَّهُ «حبس عين المال وتسبيل منفعته؛ طلبًا للأجر من الله تعالى( )، ويُقصد بالعين الشيء الذي يُمكن الانتفاع به مع بقاء أصله، مثل البيوت والأراضي وغيرها، ويقصد بتسبيل المنفعة أي تخصيصها لوجه الله تعالى، أمَّا المنفعة فهي ما ينتج عن الأصل كالأجرة والربح وغيرها من المنافع»( ). ويتقرَّب الواقفون إلى الله سبحانه وتعالى بتسخير جزء أو كُلِّ أملاكهم لخدمة المجتمع المسلم في مجالاته المختلفة على رأسها الثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها. 
‏لكن كيف تعامل الحوثيون مع الأوقاف؟ كيف استخدموا أموال وأملاك الموقفين لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية واقتصادية وعرقطائفية؟!
‏تاريخيًّا برع الإماميون في نهب الأوقاف سواءً كانت أراضيَ أو عقاراتٍ أو أموالا. ويُعرف الأئمة بجشعهم في نهب وحيازة أموال الأوقاف وإخراجها عن الوقفية العامة إلى الملكية الخاصة، إضافة إلى النقل والمعاوضة بين الأملاك الخاصة وأملاك الأوقاف في المناطق الخاضعة لهيمنتهم. مثالا على ذلك، ما قام به الإمام المهدي عباس الذي اشترى جزءًا كبيرًا من أوقاف صنعاء كَـ «شعوب والصافية وبئر العزب» وغيرها من المناطق، وهو الأمر الذي دفع العلَّامة ابن الأمير ينصحه في رسالة أرسلها له في ذي الحجة 1180هـ بأنَّ «مال الوقف مُحرَّمٌ لا يجوز نقله ولا اسْتبداله ولا المعاوضَة فيه»، كذلك نصحه أقرب رجاله وزيره القاضي يحيى بن صالح السحولي، وبدلًا من أن يقبل نصيحته، زجَّ به في السجن( ).
‏كما استولى المطهر بن شَرف الدين على أوقاف المدرسة العامرية برداع وغيرها من المدارس المنصورية والمجاهدية، وصادر أملاكها لصالحه الشخصي، وهي الموقوفة على المدرسة من أيام الطاهريين والرسُوليين( ).
‏وفي عام 1928، صادر الإمام يحيى حميد الدين، أوقاف أكبر مدرسة دينية في تلك المرحلة في منطقة زبيد تهامة غرب اليمن، والتي عُرفت عند البعض بجامعة الأشاعرة وكانت تدرس مختلف فنون العلم، وتبع ذلك مصادرة العديد من أموال الأوقاف( ).
‏بطبيعة الحال، كان الأئمة تاريخيًّا يجدون في أموال الأوقاف فرصة لإثراء أنفسهم وبقية أبناء عمومتهم من ذات السلالة، وقد استخدموا حِيَلًا وأساليب مختلفة للالتفاف حول المحاذير الدينية والنصوص القانونية التي تُجرِّم ذلك.  
‏بعد سيطرة جماعة الحوثي على محافظة صعدة بشكل تام في 2011م، بدأت عمليات نهب أموال الأوقاف في المحافظة، وعندما وصلوا إلى صنعاء، نفَّذوا حملات ميدانية على المنازل التابعة للأوقاف والتي يدفع السكان فيها إيجارات للأوقاف منذ عقود، وأجبروهم تحت إرهاب السلاح على مغادرة بعضها، كما رفعوا إيجارات عقارات الأوقاف (كثير منها محلات تجارية) وصلت في بعض المناطق إلى ما نسبته 200%، كما هدَّدوا المستفيدين بسلبهم العقارات والمحال في حال رفضوا الالتزام بالتسعيرة الجديدة التي فرضوها عليهم( ). 
‏وقد ظهر بجلاء تزايد الأموال التي يتم جمعها باسم الأوقاف من خلال تقرير صادر عن مكتب الأوقاف في أمانة العاصمة الخاضع للحوثيين، حيث استطاع أن يحقق إيرادات  كبيرة خلال العام 2020م مقارنة بالأعوام السابقة.
‏التقرير أشار إلى أنَّ فرع الأوقاف في أمانة العاصمة - فقط - حقَّق إيرادات  تفوق المستويات التي كان عليها المكتب عام 2018م وبنسبة 210 %. ووصلت إيرادات الفرع من إيجارات المباني ومأذونيات ورسوم تنازل يد ومقابل إيجارات الأراضي السنوية وإيرادات زراعية وعائدات مالية وغيرها إلى 3 مليارات و568 مليونا و 653 ألفا و 859 ريالًا، بزيادة عن المقابل من العام 2019م مبلغ مليار و531 مليونًا و423 ألفًا و319 ريالًا( ). لكن مع ذلك، هذه الأموال الطائلة لم تنعكس بشكل مباشر وإيجابي على حياة اليمنيين، فلم تذهب إلى خزينة الدولة وبالتالي لم تُسهم في حل مشكلة المرتبات والخدمات التي حُرِمَ منها اليمنيون تعمُّدًا، بل ذهبت لصالح عمليات وأنشطة سياسية وطائفية وعسكرية سنشير إلى بعضها لاحقًا.
‏تضاعفت إيرادات  الأوقاف، إلَّا أنَّ الدور النهضوي والخيري تراجع بشكل كبير لصالح إثراء السلالة الطائفية في اليمن ودعم المقاتلين التابعين لها، وتآكلت أصول وممتلكات الأوقاف المادية من العقارات والأراضي جراء النهب المنظم.
‏وكما هي عادة الحوثيين في استغلال كُلِّ ما تحت أيديهم كوسائل ضغط على اليمنيين وإخضاعهم وتحشيدهم إجباريًّا للإنخراط في فعالياتهم الطائفية، فبلا شك أنَّهُم استغلوا الأعيان الوقفية لإخضاع آلاف الأسر التي تستأجر منازل تابعة للأوقاف أو تمارس أعمالًا تجارية صغيرة في محال أو عقارات تابعة للأوقاف وتدفع ايجارات مقابل ذلك.. من خلال إلزامها بالتفاعل مع فعاليات الحوثيين، كالخروج في المسيرات السياسية والطائفية، أو المشاركة في التعبئة والتحريض والوشاية بمَن يختلفون معهم، أو حتى جمع المقاتلين مقابل عدم مضاعفة رسوم الإيجار والإبقاء على ما تحت أيديهم من أوقاف.
‏وبحسب شهادات للأهالي نشرتها وسائل إعلام مختلفة، فإنَّ الحوثيين يمارسون أساليب مختلفة من الابتزاز لأصحاب المحلات التجارية بشكل عام وتلك العائدة تبعيتها للأوقاف بشكل خاص، «لهذا أغلقت الجماعة كثيرًا من المحلات بعد حملات قام بها أتباعها وأخرجوا التجار منها وأعادوا تأجيرها لأشخاص موالين للجماعة أو منتمين إلى سلالة زعيمها»( ).
‏ويقول مزارع يعيش في منطقة الحاوري بصنعاء إنَّ المشرف الحوثي أبلغه بضرورة تسليم المزرعة التي يستصلحها منذ عشرين عامًا ويدفع رسوم الإيجار للأوقاف، يقول في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط اللندنية»: «جاء طقم وهددني بعدم دخول الأرض وعندما قُلت لهُم وأين أذهب؟ أنا استصلحت الأرض وزرعتها ومن أين سأعول أسرتي؟ فأجابني أحدهم بقوله: «اذهب للقتال معنا في الجبهات»( ).
‏ومن خلال دراسة هذا المثال البسيط، يمكن القول بأنَّ مصادرة هذه الأرض وفَّرت للقيادات الحوثية أرضًا زراعية تم استصلاحها على مدى سنوات، وأسهمت في تجويع أسرة ليتم من خلال ذلك الدفع ببعض أفرادها إلى جبهات القتال أو تأييد جماعة الحوثي سياسيًّا وأمنيًّا مقابل حصولهم على سلة غذائية تُقدِّمها المنظمات بعدما كانت الأسرة تعتمد بشكل كامل على محصول الأرض. 
‏حادثة أخرى، فبعد 25 سنة من استئجار مواطن يمني لمنزل من وزارة الأوقاف في منطقة «بير العزب» صنعاء، جاء الحوثيون وحاصروا المنزل بالمسلحين وطالبوه بإخلائه. وعندما رفض هذه الإجراءات أغلقوا الباب بسلاسل ومنعوه وأسرته من الخروج أو الدخول ليتدخل بعض الجيران الذين أمدوهم بالغذاء من النوافذ وعبر سطح المنزل. لكن الأمر انتهى بإخراجهم من المنزل عنوة( ).
‏ومن ضمن أساليب الحوثيين في استغلال الأوقاف لكسب المؤيدين؛ عملية توزيع الأراضي الوقفية لشخصيات سياسية وعسكرية واجتماعية مقابل تأييد جرائمها إعلاميا أو جمع المقاتلين، وهو الأمر الذي دفع وزارة الأوقاف في الحكومة الشرعية إلى وصف «التوجيهات التي أصدرها رئيس حكومة الحوثيين»، لتمليك أراضي الأوقاف في صنعاء والحديدة، لصالح أشخاص محسوبين على الحوثيين، بـ «الإجراءات الباطلة كبطلان شرعية من أصدرها، ومخالفة للدستور والقوانين النافذة»، واعتبرت «عملية توزيع أراضي وممتلكات الأوقاف على نافذي ومشرفي اللجان التابعة لميليشيا الحوثي الانقلابية، سابقة خطيرة لم تحدث في كُلّ المراحل والظروف الصعبة التي مرت بها البلاد»( )، وقد صدر بيان آخر في العام 2019م يندد بعملية نهب أموال الأوقاف( ).
‏وزعت مليشيات الحوثي عبر مدراء الأوقاف التابعين لها في المحافظات أراضي على القيادات والمشرفين الذين ينتمي أغلبهم لسلالة زعيمها عبد الملك الحوثي، كما باعت مساحات كبيرة من الأراضي لنافذين وقيادات موالية لها بمبالغ رمزية، واستحوذت على أراضٍ في مناطق حيوية تابعة للأوقاف بذريعة منحها لأسر قتلى التابعين لها ( ).
‏وإضافة إلى كسب الولاء، يبيع الحوثيون أراضي الأوقاف لإثراء عناصرهم من السلالة. ففي محافظة ذمار وسط اليمن، أقدم مشرفون حوثيون على بيع أراضٍ تابعة للأوقاف بمبالغ باهظة بينها سوق العند الواقع وسط المدينة المخصّص لبيع المواشي( )، وقد نفذ الأهالي في مدينة ذمار وقفة احتجاجية أمام مكتب الأوقاف والإرشاد بالمحافظة، للمطالبة بأراضٍ تابعة لهُم صادرها حوثيون يعملون في مكتب الأوقاف( ).
‏ويمكن أخذ محافظة إب (وسط اليمن) كنموذج لحجم عمليات النهب التي طالت الأوقاف كون إب من أكبر المحافظات اليمنية التي توجد فيها وقفيات. 
‏وبحسب الإعلامي إبراهيم حمود عسقين -وهو أحد أبناء إب الذين تتبعوا عمليات نهب أملاك الأوقاف في المحافظة- فإن مساحة كبيرة من محافظة إب «كانت مُخصَّصة للوقف منذ عهد الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، وعلى مدى عصور كانت أراضي إب مُخصَّصة للأوقاف الخاصة (الأسرية) والعامة، وتشير مصادر رسمية في هيئة المساحة والسجل العقاري، ومكتب الأوقاف، إلى أنَّ إجمالي مساحة أراضي الأوقاف في إب تشكّل نحو ثلثي مساحة المحافظة»( ).
‏وبمجرد سيطرة الحوثيين على محافظة إب، تسلمت الأسر الموالية للحوثيين في المحافظة ملف الأوقاف وتفرغت «لنهب ومصادرة أراضٍ كبيرة باسم الأوقاف، فيما تم توزيع أراضٍ وجبال واسعة لمتنفذين حوثيين تحت مُبرِّرات كثيرة، من بينها ذرائع الاستئجار والاستثمار، وأخرى هدايا وجّهت بها قيادات الحوثي لمشرفين ومسؤولين، بالتزامن مع عمليات نهب واسعة لأموال الأوقاف وصرفها في غير مصارفها، وتحول صندوق الأوقاف في المحافظة إلى صندوق احتياطي لمسؤولي الحوثي في المحافظة والمحافظات الأخرى، يتم تخصيصها لتنفيذ أنشطة طائفية، كتلك المتعلقة بيوم الغدير، والمولد، وذكرى مصرع مؤسس ميليشيا الحوثي لعلمها المسبق بحجم العائدات المالية الكبيرة لأوقاف المحافظة عمدت المليشيا الحوثية إلى تعيين مدير للأوقاف من خارج المحافظة يدين بالولاء لزعيم الحوثيين مباشرة، فعمل منذ توليه المنصب على تبديد أموال الأوقاف، وتحويلها إلى أرصدة لقيادات الحوثي، ودعم جبهات القتال»( ).
‏ولم تسلم الأراضي المُخصَّصة للمقابر في إب من النهب، فقد شهدت المحافظة أكثر من 100 عملية سطو حوثية على مقابر، تصدَّى الأهالي لعدد منها، فيما تم تمرير معظم تلك العمليات بقوة السلاح( ).
‏وبعد أربع سنوات من العبث بأراضي وعقارات وأموال الأوقاف وتحديدًا في 22 أغسطس/ آب 2018م، شب حريق هائل في مخازن وإرشيف وزارة الأوقاف والإرشاد في صنعاء مُتسبِّبًا في تلف وثائق ومستندات خاصة بالأوقاف ليتضح لاحقًا بأنَّ الجريمة بفعل فاعل( ). وتعقيبًا على هذه الحادثة، اتهمت الحكومة اليمنية الحوثيين بإحراق مبنى الأوقاف في صنعاء «بعد أن عَمِدت الميليشيا في أوقات سابقة إلى التصرُّف في ممتلكات الأوقاف، ونهبها ونهب كافة الوثائق، في المناطق الخاضعة لسيطرتها». كما وجهت وزارة الأوقاف والإرشاد بإلغاء كُلّ ما تصرفت أو انتفعت به جماعة الحوثي من أموال وأراضي الأوقاف، «سواءً بالبناء أو بأيَّة صورة من صور الانتفاع لجهات أو شركات أو أفراد واعتبرته لاغيًا وباطلًا قانونًا ودستورًا وشرعًا، وأنَّ القرارات المتعلقة بأموال الأوقاف بعد 21 سبتمبر 2014م لا يترتّب عليها أثر قانوني في مواجهة إدارتي الأوقاف والهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني»( ).
‏في 24 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2018م، كشف الرجل الثاني في وزارة الأوقاف والإرشاد الخاضعة لسيطرة الحوثيين عن حجم الفساد الكبير والمنظم لأوقاف وأراضي الجمهورية اليمنية من قبل جماعة الحوثي.
‏ونشر نائب الوزير الحوثي فؤاد محمد حسين ناجي استقالته في وسائل الإعلام، مُعلّلًا ذلك بما وصفه بالفساد الكبير في نهب أراضي وعقارات الأوقاف والفساد المالي والإداري، والتالي نص الاستقالة: 
‏الموضوع: استقالة من العمل في وزارة الأوقاف والإرشاد.
‏بالإشارة إلى الموضوع أعلاه أتقدَّم بهذا الطلب إليكم مُسبِّبًا هذه الاستقالة من عملي نائبًا لوزير الأوقاف والإرشاد معين بقرار من اللجنة الثورية العُليا رقم (86) الصادر بتاريخ 23 فبراير/ 2016مم بالآتي:
‏حجم الفساد الهائل والاختلالات الإدارية والمالية في الوزارة من أعلى الهرم فيها إلى أسفله - إلَّا مَن رحم الله- وقد رفعنا إليكم مِرارًا قضايا فساد كبيرة في أموال الأوقاف وأراضيه بالوثائق والمستندات ولم نجد تفاعلًا أمام هذه القضايا.
‏أيضًا دور الوزارة في مواجهة العدوان ضعيف نظرًا لسلبية الوزير وأخذه الختم إلى منزله وممارسة العمل من داخله في مخالفة قانونية صريحة، وقد قدَّمنا كثيرًا من الاقتراحات والخطط للنهوض بعمل الوزارة بشكل عام وقطاع التوجيه والإرشاد بشكل خاص ولكن لم نلمس تجاوبًا، وكما قال الإمام علي عليه السلام (لا رأي لمن لا يطاع).
‏لقد أتيت إلى الوزارة بناءً على تكليف في ظروف صعبة للغاية وقبلنا هذا التكليف بدافع المسئولية، وحاولنا خلال الفترة الماضية إصلاح ما نستطيع إصلاحه وإيقاف ما استطعنا إيقافه من الفساد، ولكن اتسع الخرق على الراقع، وأخشى أن أتحمَّل أمام الله وزر ما يحدث. 
‏ولما سبق، أرجو قبول استقالتي هذه لأعود إلى الميدان الجهادي الذي جئت منه، وليتحمَّل مسئولية الفساد والاختلالات في الوزارة من يستطيع السكوت على الباطل والقبول به.
‏هذا والله المُوفِّق والهادي إلى سبيل الرشاد.
‏أخوكم فؤاد محمد حسين ناجي
‏بعد أشهر قليلة من نشر هذه الاستقالة، ظهرت قضية نهب أوقاف مسجد الفردوس وهو ثاني أكبر مسجد في صنعاء، وتحويلها إلى محال تجارية ومساكن للمشرفين الحوثيين الذين ينتمون لنفس السلالة التي تدعي الحق والاصطفاء الإلهي في اليمن. وكالعادة، سأحرص على وضع شهادة حول هذه القضية من شخص لطالما دافع عن الحوثيين إعلاميا. في 19 ديسمبر/ كانون الأوَّل 2020م، نشر الناشط في مواقع التواصل محمد المسمري فيديو يكشف تفاصيل نهب أوقاف مسجد الفردوس في صنعاء وأسماء القيادات الحوثية المتورطة في هذه العملية. قال فيه: «سجَّلنا قبل سنة.. قبل سنة من اليوم، على مسجد الفردوس، ولا من سمع. اسجل لكم والعبرة ماسكتني هانا (هنا) والشاهد الله أنَّ العبرة ماسكتني هانا (يشير إلى الحلق). مسجد الفردوس ثاني أكبر مسجد في الجمهورية، يسع لأكثر من 25 ألف مصلِّ. مُخطَّطه مجمع كامل.. مستشفى، ومؤسسة خيرية ومختبر ومراكز تحفيظ ومراكز علمية إلخ... قبل سنة قلنا لكم أصحابكم بسطوا عليه (نهبوه).. قبل سنة قلنا لكم أغلقوا مسجد النساء في الدور الثالث والدور الأرضي، أغلقوا مسجد النساء وطردوهن إلى الشارع. فهد العياني وأحمد مطهر الشامي أغلقوا مركز التحفيظ الخاص بالنساء وأخرجوا النساء إلى الشارع ولا أحد سمع ولا أحد أوحى (لم تفعلوا شيئًا). مؤسسة أنهار الفردوس التنموية الخيرية مع المختبر حوَّلها المشرف إبراهيم الشرفي إلى سكن خاص له ولأخته، ولا من سمع ولا من دري (ولم تفعلوا شيئًا). لا تقولوا عنَّا كذَّابين.. زوروا المكان، يا حسين العزي، يا محمد علي( )، يا خبرة أنا با اطرح لكم بالأدلة بمقاطع (سأضع لكم مقاطع فيديو كدليل)، قبل وبعد.. إبراهيم الشرفي حوّل مؤسسة أنهار الفردوس الخيرية والتنموية مع المختبر الخيري الذي كان يفحص الناس ببلاش (يقدم فحوصات مخبرية للسكان مجانًا) لسكن خاص له وأخته. تحاكينا (تكلمنا وشكونا)، ولاحد تكلم.. انتحلوا صفة المؤسسة واسمها ولاحد تكلم، بسطوا على أرض المسجد ولا أحد تحاكى (ولم يعترض أحد مشيرا إلى الحوثيين)، زوَّر وانتحل أحمد مطهر الشامي وفهد العياني اسم المؤسسة الخيرية، وأجروا الأرض لصدام اليتيم لمدة ثلاثين سنة بخمسين مليون رشوة قدَّمها صدام اليتيم، ولا من سمع ولا من تحاكى ولا من دري. (...) مِمَّن يستمد هؤلاء المشرفون البغاة قوتهم أن يسطوا على مساجد الله (...) شفتوا المسجد وكيف كن النساء يصلين؟ تخيَّل هذه الأرض كاملة بسط عليها صدام اليتيم، بإشراف مَن؟ بإشراف فهد العياني، بضغط وتوقيع مِمَّن؟ المشرف أحمد مطهر الشامي. (...) كيف يا عباد الله؟ عاد شيء إسلام؟ عاد شيء دين؟ (هل هناك إسلام؟) أين المسيرة؟ أين عبد الملك؟ أين الخبرة (الحوثيون)؟ أيش قرأتم في الملازم (ملازم الحوثيين)؟ تعبنا شحبنا والموضوع له هذا سنة (تعبنا مناشدات). ومَن الحارس الذي يحمي عمال البناء الذين يتبعون صدام اليتيم؟ إبراهيم المحطوري، مدير قسم شرطة الوحدة في سعوان. واحد جاهل (طفل) كان صايع ضايع»( ).
‏الجدير بالذِّكر في هذه الحادثة، أنَّها نموذج مُصغَّر لجريمة كبيرة تؤكد البُعد العِرْقي في عمليات النهب المُمنهَجة التي يتعرَّض لها اليمنيون. فكُلُّ أبطال هذه الحادثة (العياني واليتيم والشرفي والشامي والمحطوري) وإن كانوا من عائلات مختلفة، لكنَّهُم ينتمون لذات السلالة التي تسيطر على عدد من المحافظات اليمنية مدعية بأنَّها الأحق بحكم اليمنيين وامتلاك رقابهم وأموالهم بالقوة وباسم الدين( ).
‏ولم يتوقف الأمر عند نهب الحوثيين لأملاك الأوقاف، لكنَّهُم عمدوا إلى نهب أراضي المواطنين بعد الادعاء أنَّها وقفية، وبواسطة مكاتب الأوقاف في المحافظات الخاضعة لسيطرتهم وبيعها أو تأجيرها لأتباعهم. وعلى سبيل المثال لا الحصر، في مارس/ آيار 2019م، شكا المواطن عبد الرحمن عبد الرحيم من قيام مكتب الأوقاف في محافظة إب (وسط اليمن) الخاضع للحوثيين بتأجير أرضيته في «جبل المورم بخط الثلاثين غرب مدينة إب» لقيادات أمنية عليا في الجماعة، بالرغم أنَّ القضاء أثبت أنَّ الأرض مملوكة له( ). 
‏كما استولت جماعة الحوثي على أرض شاسعة ومنزل من ضمن أملاك آل الصباحي وسط مدينة إب عاصمة المحافظة مدعية أنَّها أملاك وقفية، في واحدة من أكبر عمليات النهب التي تشهدها المحافظة. تقع تلك الأملاك المصادرة وسط المدينة وتتجاوز قيمتها خمسة مليار ريال يمني( ).
‏وأمام ضخامة الأموال المتأتية من هذه العملية، لجأ الحوثيون إلى إنشاء هيئة خاصة بالأوقاف لتنظم عمليات نهب أراضي وأموال الأوقاف ومن ثم استثمارها اقتصاديا وطائفيا. فعلى غرار ما يُسَمَّى الهيئة العامة للزكاة، أنشأت الجماعة «الهيئة العامة للأوقاف في 30 يناير/ كانون الثاني 2021م( ) وعيَّنت عبد المجيد الحوثي رئيسا لها( )، وهي خطوة اعتبرتها الحكومة اليمنية وسيلة جديدة لنهب اليمنيين «وامتدادًا لسلسلة من القرارات تهدف إلى حصر أوقاف وأراضي الدولة بيد أسرة الحوثي تمهيدا لنهبها وتسخيرها لخدمة مصالحها»، بالإضافة إلى أنَّ إنشاء مثل هذه الكيانات تسعى إلى «فرض مزيد من الجبايات على المواطنين ونهب مقدرات وموارد الدولة، وتسخيرها لتمويل المجهود الحربي وتصعيد حربها على اليمنيين»( ).
‏ثمَّة سبب آخر ومهم دفع الحوثيين إلى إنشاء ما يُسَمَّى بالهيئة العامة للأوقاف، فقد واجهوا عوائق مختلفة تقلل من قدرتهم على العبث بأموال وأراضي الأوقاف واستغلالها لصالح حربها ضد اليمنيين. كانت وزارة الأوقاف والإرشاد ما تزال عامرة بموظفي الدولة والذين ينتمون إلى فئات ومكونات مختلفة لا يؤيدون الحوثيين، ولهذا السبب كان أي إجراء لنهب الأموال وتوزيع الأراضي على أتباع جماعة الحوثي مكشوفا ومحل استنكار وإدانة الموظفين، وسببا في نشر هذه الممارسات والسرقات عبر وسائل الإعلام، ولهذا لجأوا لإنشاء كيان جديد وظفوا فيه أنصارهم الثقات وغالبيتهم مِمَّن ينتسبون لسلالة عبد الملك الحوثي ليمارسوا عمليات السطو وتوجيه واستخدام الأموال دون رقابة أو معوقات. 
‏ويولي الحوثيون أهمية كبيرة لهيئة الأوقاف لما تُدِّره من أموال طائلة وفرص هائلة تمكنهم من التحكم بعدد كبير من الأسر اليمنية، ما جعل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي يُخصِّص محاضرة يدعو فيها السكان للتعاون مع هيئة الأوقاف التي أنشأوها، داعيًا فيها إلى ما وصفه بـ «الاستشعار للمسؤولية أمام الله»، و «أن يكونوا جادين في تخليص ذمتهم والخلاص من هذه المظالم، وأن يتعاملوا بجدية في إخراج حق الوقف وحصة الوقف مِمَّا لديهم وتحت ولايته». وأضاف: «البعض من الناس لا يدفعون إلَّا بشِق الأنفس، وبمطالبة شديدة، وبضغط عليهم مستمر، وكأنها ستزهق أرواحهم، كأن المُتحصِّل أو المحاسب سينزع أرواحهم من أجسادهم، بشق الأنفس يخرجونها، بضغط شديد، وملاحقة شديدة، فإذا وجدوا ألَّا مناص، أخرجوا، وقد يكونون قد تحيَّلوا وأخذوا البعض بدون وجه حق»( ).
‏ ولا تملك أي جهة رسمية إحصائية دقيقة للأموال والأراضي التي استطاعت جماعة الحوثي مصادرتها منذ العام 2014م. لكن وسائل إعلام مختلفة أشارت إلى نحو(1670) لبنة في أمانة العاصمة فقط استحوذ عليها الحوثيون بواسطة القيادي الحوثي الذي تم تعيينه مديرًا لمكتب هيئة الأوقاف بأمانة العاصمة عبدالله عامر، منذ منتصف العام 2019م وحتى يونيو/ حزيران 2021م، تتنوع بين أراض خاصة بمواطنين وتجار، وأخرى مملوكة للدولة وغيرها وقفية بعقود تأجير قانونية، بالإضافة للاستيلاء على 4 فنادق و23 محلًا تجاريًّا ومنشأة أعمال و7 أبراج ومباني أعمال( ).
‏وصَكَّ الحوثي عبد الله عامر خلال الفترة نفسها 663 عقد تأجير للأراضي والمرافق المنهوبة وأخرى جرى تأجيرها، رغم أنَّها مرافق حكومية تحتلها الجماعة، لتبلغ مساحة ما جرى تأجيره خلال عامين ونصف ما يتجاوز (5.2 مليون لبنة عشارية)، وتجني المليشيات من هذه العملية ما يتجاوز (2.4 مليار ريال يمني)( ).
‏ويطمح الحوثيون إلى السيطرة على ما يصل إلى 70% من أراضي صنعاء، فبين الفينة والأخرى، يؤكدون بأنَّ أراضي الأوقاف في صنعاء تصل إلى هذه النسبة وأنَّهُم يعملون على إحكام السيطرة عليها( ). وبغض النظر عن مدى دقة هذا النسبة، إلَّا أنَّها تُشير إلى رغبتهم في السيطرة والتحكم بالسكان الذين يستفيدون من هذه الأوقاف.
‏وبالرغم من أنَّ الجهات المعنية بالتعامل مع أملاك الأوقاف غير معنية بضبط أو احتجاز المواطنين، إلَّا أنَّ الحوثيين خوَّلوا القيادات المعنية بمتابعة أموال الأوقاف ومعاقبة أي شخص يختلف معهم حول مشروعية الإجراءات التي يقومون بها. ولعل من أبرز اعتداءات مكتب الأوقاف التي ظهرت عبر وسائل الإعلام، هي اعتداءات الحوثي عبد الله عامر على تاجر الحديد المعروف عبد الله القص مطلع يونيو/ حزيران 2021م في صنعاء حيث قام دون أي إشعار مسبق بهدم سور إحدى الأراضي والبناء عليها، بالرغم من أنَّ رجل الأعمال استأجرها بعقود رسمية لفترة طويلة.
‏وفي تسجيل مُصوَّر، ظهر عبد الله القص وهو يخاطب جموع من المواطنين شاكيًا ما تعرَّض له من الحوثيين، مؤكدًا بأنَّهُ حاول التفاهم مع عبد الله عامر، لكنه فوجئ بأن تم الزَّج به وبأقربائه إلى السجن دون أي مبرر وبطريقة تعسُّفية مهينة، ولولا تدخُّل عدد من الشخصيات والمشايخ لبقي في سجن الأوقاف دون مُبرِّر أو ذنب ارتكبه. وأضاف: «أنا أرضي ودمي وحقي في (ذمة) عبد الله عامر هذا الرجل المتكبر، والمتعجرف والنهّاب، والذي يظلم الناس. يظلم الصغير والكبير.. الكبير قادر يدافع عن حقه، عاد الواحد بحق ومال ومن قبيلة. لكني أناشدكم بالله، وبعظمة الله، أن تسعوا إلى قلع (إبعاده) هذا الرجل من أجل الفقراء والمساكين والضعفاء»( ).
‏وبناءً على ما سبق، يمكن اختصار الممارسات الإجرائية التي نفَّذتها جماعة الحوثي بعد سيطرتها على وزارة الأوقاف ومكاتبها في المحافظات الخاضعة لسيطرتها، بالتالي:
‏- رفع إيجارات الأوقاف سواء كانت منازل أو أراضي أو منشآت خاصة أو حكومية أو محلات تجارية صغيرة أو كبيرة.
‏- استغلال أملاك الأوقاف التي في يد المواطنين بشكل رسمي كوسيلة للضغط عليهم وتحشيدهم إلى الجبهات أو إلى الساحات، أو تحويلهم إلى أدوات لخدمتها داخل المدن والقرى.
‏- توزيع أراضي وعقارات الأوقاف على القيادات الحوثية لا سِيَّما التي تنتمي لنفس سلالة عبد الملك الحوثي.
‏- بيع أراضي وعقارات الأوقاف بأسعار زهيدة للقيادات الحوثية لا سِيَّما التي تنتمي لنفس سلالة عبد الملك الحوثي من خلال الوصول للوثائق الخاصة التي تثبت ملكيتها للأوقاف وإتلافها.
‏- مساومة المستأجرين للأراضي والعقارات غير الهامة والتي يستأجرها يمنيون لا يؤيدون الحوثي، وإجبارهم على دفع مبالغ خيالية مقابل إتلاف الوثائق التي تثبت تبعيتها للأوقاف، أو تهديدهم بإلغاء عقود الإيجار القديمة وإنجاز عقود جديدة برسوم إيجار مرتفعة.
‏- استيلاء قيادات حوثية على أراضي وعقارات تابعة للأوقاف ومُؤجَّرة لمواطنين، ورفع رسوم الإيجار الذي يذهب لصالح هذه القيادات.
‏- نهب أراضي وعقارات المواطنين بعد الادعاء أنَّها أراضي الأوقاف ومن ثم بيعها أو تأجيرها لشخصيات تابعة لهم.
‏- تأجير أراضي تابعة للأوقاف لقيادات حوثية بمبالغ زهيدة ليقوموا باستخدامها كمشاريع استثمارية لصالحهم.
‏- استغلال أملاك الأوقاف للتغيير الديموغرافي على أساس سلالي طائفي، حيث يتم نقل سكان يحملون فكر الحوثي/الطائفي إلى مناطق لا يؤمن سكانها بهذا الفكر.
‏- استثمار أموال الأوقاف التي تم تحصيلها بالتنسيق مع الهيئة العامة للاستثمار لصالح قيادات الجماعة( ).
‏وعلى ذات المنوال، يكسب الحوثيون أموالًا طائلة أسهمت بشكل كبير في إطالة أمد الحرب وتفاقم المعاناة الإنسانية، لتخلق في ذات الوقت شبكة واسعة من المصالح القائمة على الترابط العرقي بدرجة أساسية. وبهذا يكون المستفيدون من هذه الأموال من سلالة واحدة وهي التي ينتمي إليها عبدالملك الحوثي.
‏وبلا أدنى خجل كالعادة، يقول الحوثيون على لسان عبد المجيد الحوثي، بأنَّ أموال الأوقاف تُصرف «لعمارة بيوت الله، ولطلبة العلم، وللعلماء والمتعلمين وللضعفاء والمساكين وفي كُلِّ أبواب الخير حتى ينالوا رضا الله سبحانه وتعالى وحتى ينتفع الناس بهذا الوقف وينال الواقف الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.. فكيف نقوم اليوم بالبسط على هذه الأموال وأكلها حرام؟»( ). 
‏لكن الحقيقة التي يراها اليمنيون بكل وضوح، أن أغلب ما تجمعه جماعة الحوثي من أموال الأوقاف يذهب لصالح إثراء العناصر الحوثية السلالية أوَّلًا، ثم لتمويل حروبها إضافة إلى دعم ورعاية أنشطة الإبادة الثقافية واستهداف الهوية اليمنية تحت غطاء ما يُسَمَّى بـ «الهوية الإيمانية»( ).
‏علَّق الكاتب والباحث مصطفي الجبزي على هذا الواقع الكارثي بقوله: «تضع الجماعة الحوثية يدها على الوقف وتنفذ سياسة تأميم صامتة على العقار في المناطق الخاضعة لسلطتها. سيمتص الحوثة أموال الناس بكل الطرق بغية إفقارهم ويعيدون توزيع الثروة لصالح فئة من الناس دون غيرهم. قريبًا ستكون صنعاء مقسمة بين غيتو أغنياء سلاليين محدودي العدد، وفقراء كُثر»( ).

‏*من كتاب الجريمة المُركّبة.. أصول التجويع العنصري في اليمن.

‏⁦