تابعنا

في هذه الايام .. بطولة تدور بين جبال المحويت ووديانها - كسر حاجز الخوف وبث الرعب في نفوس الغزاة الإماميين | تفاصيلها

في هذه الايام .. بطولة تدور بين جبال المحويت ووديانها - كسر حاجز الخوف وبث الرعب في نفوس الغزاة الإماميين | تفاصيلها

 

 

 

منير العمري:

في هذه الأيام، وبين جبال المحويت ووديانها، تدور بطولة من نوعٍ مختلف؛ بطولة لا تُقاس بعدد البنادق أو صدى الطلقات، إنما بصلابة الموقف وثبات الفكرة.. في لحظةٍ يشعر فيها كثيرون بثقل الواقع وتعقيداته، ينبثق من بين الناس من يختار أن يكتب سطرًا مغايرًا في المشهد، سطرًا يقول إن للمدن ذاكرة، وإن للكرامة حضورًا لا يمكن مصادرته مهما اشتدت القبضة الكهنوتية.
هناك، حيث تتناقل المجالس أخبار المواجهات والتوترات، وحيث يختلط الخوف بالأمل، تتشكل حكايات صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، تُذكّر بأن الفعل الفردي قد يهز صورةً بدت راسخة.
ومن بين تلك الحكايات، تبرز قصة فتى من أبناء المحويت، سبق الأحداث بأشهر، لكنه ترك أثرًا ما يزال يتردد حتى اليوم، ففي ليلةٍ ساكنة، حين خلت الشوارع إلا من أضواءٍ باهتة وكاميراتٍ تراقب، خرج وحده إلى الرصيف العام في مدينة المحويت.
كانت الجدران ولوح الشوارع مثقلة بصور عصابة الحوحو ولافتاتهم وشعاراتهم المستوردة من إيران، والتي تملأ المكان وتحاول فرض أفكارها المقيتة في كل زاوية، لم يحمل الفتى سوى عزيمته؛ فبدأ ينزع الصور واحدةً تلو الأخرى، يطوي اللافتات ويزيل الشعارات بعنايةٍ وسرعة، كأنما يستعيد الرصيف إلى طبيعته الأولى.
وحين انتهى، علّق بدلًا عنها صور الزعيم علي عبدالله صالح ونجله أحمد، ثم انسحب بهدوء تاركًا الليل يحتفظ بسرّه حتى الصباح.
مع بزوغ الفجر، استفاقت المدينة على مشهدٍ لم تألفه منذ سنوات. تبدّلت الوجوه المعلّقة، وتغيرت رسائل الكهنوت البصرية في الشارع العام، وسرى همسٌ سريع بين الناس: ماذا جرى ليلًا؟ هل حدث تحول أكبر مما يبدو؟ بعض الأتباع ظنوا للوهلة الأولى أن أمرًا جللًا وقع، وأن المدينة ربما خرجت من قبضة الواقع الذي تعرفه.
أُعلنت حالة طوارئ، واستُنفرت الأجهزة، وانتشرت نقاط التفتيش. جرى استدعاء مواطنين والتحقيق معهم، وفتشت البيوت بحثًا عن خيطٍ يقود إلى الفاعل، فلم يجدوا شيئا.
ظل اللغز قائمًا حتى فُتحت تسجيلات الكاميرات، هناك في لقطاتٍ صامتة، ظهر الفتى وهو يتحرك بثبات، ينجز مهمته ثم يختفي في العتمة.
لم يطل الأمر حتى تم التعرف إليه، وتعقبه، لتقبض عليه السلالة، ومنذ ذلك اليوم ما يزال أسيرًا في المعتقل، فيما بقيت قصته تتناقلها الألسن بوصفها فعلًا جريئًا أربك المشهد وأثار أسئلةً أكبر من حجم الصور التي عُلّقت ونُزعت.
وعلى ذكر الكاميرات، لم تكن تلك الحادثة بمعزل عن سياقٍ أوسع. فبعد الهجمات الأمريكية الأخيرة التي تلقتها الجماعة وما رافقها من خسائر غير مسبوقة منذ سيطرتها على صنعاء ومناطق أخرى، اتجهت إلى تشديد قبضتها في المجال الرقمي أيضًا؛ جرى حجب تطبيقات التحكم بالكاميرات من الهواتف، وتقييد الإعلانات في مواقع الشبكة ومحركات البحث، خاصة عقب إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن مكافآت مالية لمن يدلي بمعلومات دقيقة.
حتى الإعلانات حُجبت كليًا كي لا تظهر رسائل لا ترغب السلالة الكهنوتية في تداولها، في مؤشرٍ يعكس شدة القلق من أي نافذةٍ مفتوحة خارج السيطرة، وعدم وجود حاضنة شعبية مهما نشروا فكرهم في الشوارع ومكبرات الصوت ووسائل الإعلام والمدارس والجامعات والمؤسسات، فالشعب عنده مناعة يمنية من كل الأفكار الدخيلة، ودائما يبتكر أساليب الرفض بحسب الممكن.
تبقى قصة الفتى أكثر من حادثة ليلية؛ فهي رواية عن مبادرة فردية في زمنٍ مضطرب، عن شابٍ اختار أن يترك أثرًا شجاعا، فحرّك مدينةً بكاملها وأدخل خصومه في دوامة بحثٍ واستنفار. قد يكون اليوم خلف القضبان، لكن تلك الليلة ما تزال حاضرة في ذاكرة المحويت، الليالي التي أعقبت الانتفاضة الديسمبرية والمستمرة حتى الآن، لتذكّر الجميع بأن الفعل، مهما بدا بسيطًا، يبقى قادرا على إرباك واقع الاحتلال الرسي، وكسر حاجز الخوف وبث الرعب في نفوس الغزاة الإماميين.

#منير_العمري

 

*من صفحة الكاتب على مواقع التواصل الاجتماعي