تابعنا

في اليمن | جمهورية (القرارات السرية).. كيف يُعيد العليمي تدوير نموذج (هادي) لتمكين الإخوان بـ 156 تعييناً تحت الطاولة؟

في اليمن | جمهورية (القرارات السرية).. كيف يُعيد العليمي تدوير نموذج (هادي) لتمكين الإخوان بـ 156 تعييناً تحت الطاولة؟

تحقيق خاص  |

أعادت الحادثة الأخيرة المتعلقة بالكشف عن تعيين دفعة واسعة من الوكلاء لمحافظة حضرموت الاستراتيجية، تسليط الضوء على واحد من أعمق مظاهر الترهل والعبث الإداري والسياسي داخل بنية الشرعية اليمنية. وتتمثل هذه الظاهرة في "سيكولوجية الغرف المغلقة"، عبر إصدار مئات القرارات السيادية المدنية والعسكرية دون الإعلان عنها في وسائل الإعلام الرسمية، وتمريرها "تحت الطاولة" لاسترضاء قوى نفوذ سياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح).

هذه الممارسات، التي شخّصها مراقبون بأنها كانت أحد الأسباب الجوهرية التي قادت لتقويض شرعية الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي وتفخيخ مؤسسات الدولة بالتعيينات العائلية والحزبية، تطل برأسها اليوم بقوة أكبر في عهد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لتكشف عن "فجوة رقمية وصادمة" بين ما يتم إعلانه وما يتم تمريره سراً.

دلالات التوقيت: تفكيك لغز "7 وكلاء لحضرموت"

فجّر الاجتماع الذي ترأسه عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، في مكتبه بمدينة المكلا، مفاجأة سياسية ثقيلة، حيث ضم الاجتماع 7 وكلاء دفعة واحدة تم تعيينهم مؤخراً للمحافظة.

وحسب وسائل الإعلام التابعة للسلطة المحلية في حضرموت، فإن هؤلاء المسؤولين جرى تعيينهم بموجب القرار الجمهوري رقم (39) لسنة 2026م. بالعودة إلى أرشيف وكالة الأنباء الرسمية "سبأ"، يتضح أن هذا القرار حُجب تماماً عن الرأي العام ولم يُنشر، مما يفتح الباب أمام التساؤلات حول دستورية وقانونية حجب القرارات السيادية عن المواطنين.

لغة الأرقام.. هندسة التمويه الإداري في 2026

يكشف التتبع الحصري والتحليلي لأرقام القرارات الجمهورية الصادرة منذ مطلع عام 2026 مقارنةً بما نُشر منها في وكالة "سبأ" الرسمية، عن آلية ممنهجة للإخفاء والتمويه، وتتوزع هذه الأرقام على ثلاثة مسارات رئيسية:

1. المسار المدني (القرارات الجمهورية):

• آخر قرار جمهوري منشُور يحمل الرقم (44) لسنة 2026م (الخاص بتشكيل اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات).

• إجمالي القرارات المنشورة فعلياً في الوكالة: 12 قراراً فقط.

المحصلة: هناك 32 قراراً جمهورياً مدنياً مخفياً لم يتم الإعلان عنها.

• شاهد عيان: برزت هذه الفجاجة حين نشرت الوكالة في 4 أبريل الماضي خبراً عن أداء جميلة علي رجاء لليمين الدستورية بمناسبة تعيينها سفيرة لدى واشنطن، دون أن يصدر أو يُنشر قرار تعيينها مسبقاً!

2. الشق العسكري والأمني (الأشد خطورة):

• نشرت الوكالة قراراً بتعيين مستشار لرئيس مجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن يحمل الرقم (125) لسنة 2026م.

• آخر قرار عسكري نُشر قبل هذا القرار يعود إلى تاريخ 30 أبريل الماضي (الخاص بتعيين قيادة جديدة للمنطقة العسكرية الرابعة) وحمل الرقم (91).

• إجمالي القرارات العسكرية المُعلنة منذ مطلع العام: 11 قراراً فقط من أصل 125.

المحصلة: تمرير 114 قراراً عسكرياً سرياً خلال 6 أشهر فقط، شملت تعيين قيادات ألوية، ومدراء دوائر بوزارة الدفاع، ومسؤولي أمن.

3. قرارات "رئيس مجلس القيادة" (الالتفاف الإجرائي):

ابتكر العليمي صيغة جديدة للقرارات باسم "قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي" (لتجاوز التوافق داخل المجلس مطلع الأحداث).

• بدأت بالقرار رقم (1) بتكليف سالم الخنبشي بقيادة "قوات درع الوطن" في حضرموت، والذي تحول سريعاً إلى تعيين بالقرار رقم (2).

• آخر قرار يحمل الرقم (18).

• المنشور منها: 8 قرارات فقط.

المحصلة: 10 قرارات سرية مجهولة المضمون.

الإحصائية الإجمالية الصادمة:

أطلق رشاد العليمي منذ مطلع العام الحالي وحتى نهاية يونيو 2026، ما مجموعه 187 قراراً سيادياً (مدنياً وعسكرياً وتكليفاً)، نُشر منها رسمياً 31 قراراً فقط، بينما تم تمرير 156 قراراً تحت الطاولة وبصورة سرية مطلقة.

التمكين الممنهج وتصفية الحسابات السياسية

يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن إخفاء هذا الحجم المهول من القرارات (156 قراراً) ليس إجراءً إدارياً روتينياً، بل هو استراتيجية سياسية تهدف إلى استغلال نتائج الصدام العسكري والسياسي الذي شهدته محافظة حضرموت أواخر العام الماضي، والذي انتهى بتراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي وهزيمته سياسياً وعسكرياً هناك.

ومع خروج جبهة المعارضة الأقوى لسياسات العليمي داخل مجلس القيادة، انطلقت يد رئيس المجلس لإعادة تمكين حزب الإصلاح (ذراع الإخوان المسلمين) وحلفائه التقليديين في مفاصل الدولة والجيش والأمن، تجنباً لإثارة الأزمات الإعلامية أو إغضاب الشارع الجنوبي، مستخدماً "التسريب البطيء" للقرارات وفرضها كأمر واقع على الأرض.

العبث الإداري في زمن "الإفلاس والتقشف"

بعيداً عن الأبعاد والمكاسب الحزبية، تضع هذه التعيينات "العبثية" تماسك الدولة الاقتصادي في مهب الريح. وتأتي هذه التخمة في الوظائف العليا والوكلاء والمستشارين (الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة) في وقت:

• تعيش فيه الحكومة الشرعية ومجلسها الرئاسي أزمة مالية خانقة وشبه إفلاس جراء استمرار توقف تصدير النفط الخام.

• تخرج فيه الحكومة يومياً لتبشير الشعب بـ"خطط تقشفية" وإصلاحات اقتصادية هيكلية لإنقاذ الريال اليمني المنهار.

إن استمرار صدور 156 قراراً غير معلن يعكس انفصاماً كاملاً بين الخطاب الرسمي للشرعية وممارساتها على أرض الواقع، حيث يُهدم كل جهد لترشيد الإنفاق عبر تعيينات ترضية تُثقل كاهل الميزانية العامة المنهكة أصلاً، وتؤكد أن عقلية "المحاصصة السريّة" لا تزال هي الحاكم الفعلي لشرعية الفنادق.