تابعنا

سياسة ممنهجة لإحكام السيطرة | تشريح لسياسة (الحصار الداخلي).. تقرير استقصائي يكشف تحويل الحوثيين للفقر والخدمات إلى سلاح إخضاع جماعي

سياسة ممنهجة لإحكام السيطرة | تشريح لسياسة (الحصار الداخلي).. تقرير استقصائي يكشف تحويل الحوثيين للفقر والخدمات إلى سلاح إخضاع جماعي

 متابعات خاصة

كشف تقرير حقوقي واستقصائي حديث صادر عن "مؤسسة تمكين المرأة اليمنية" (YWEF) عن منظومة هندسة اقتصادية ونقدية متكاملة شيدتها مليشيا الحوثي منذ انقلابها، لم تكتفِ بمنظومة السلاح لفرض السيطرة، بل حوّلت الغذاء، والدخل، والخدمات الأساسية إلى أدوات ضغط وإخضاع سياسي؛ في إطار استراتيجية ممنهجة وُصفت بـ**"الحصار الداخلي"**، والتي كانت المسبب المباشر في دفع اليمن نحو إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث.

التقرير الاستقصائي، الذي جاء تحت عنوان «الحصار الداخلي.. سياسات مليشيا الحوثي في إفقار اليمنيين وإخضاعهم»، أكد أن المليشيا اعتمدت على أدوات ناعمة وخشنة متوازية: قطع مرتبات الموظفين، حظر التداول النقدي، فرض الإتاوات، خنق الشرايين الجغرافية، والسيطرة المباشرة على المساعدات الدولية، مما خلق حالة "تبعية وجودية" لدى المواطن للمنظومة الحوثية للحصول على أدنى مقومات الحياة.

لغة الأرقام: جغرافيا الفقر والمجاعة المخططة

استند التقرير إلى بيانات توثيقية دقيقة تكشف حجم الارتداد الإنساني المأساوي في مناطق السيطرة الحوثية:

المحتاجون للدعم: 19.5 مليون يمني باتوا بحاجة ماسة للدعم الإنساني والحماية الفورية.

الأمن الغذائي المنهار: 17.1 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع مؤشرات خطيرة بتمدد الرقم إلى 18.3 مليوناً.

الفئات الأكثر هشاشة: 2.2 مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومُرضِع تحت المقصلة ذاتها.

النزوح والقطاع الصحي: 4.8 مليون نازح داخلياً يفتقرون للحد الأدنى من المقومات، بينما تعاني المستشفيات من شلل نيمه؛ إذ لا يعمل سوى 59.3% من المرافق الصحية بكامل طاقتها

مؤشر خط الفقر: أظهر التقرير قفزة مرعبة في أعداد الواقعين تحت خط الفقر؛ حيث ارتفع العدد من أصل 12 مليون شخص عام 2014 إلى أكثر من 32 مليوناً، مع تسجيل واقع معيشي مؤلم يعيش فيه 88% من السكان على أقل من دولار واحد للفرد يومياً.

هندسة الجباية وخنق الاقتصاد

سلط التقرير الضوء على التناقض الصارخ بين تدفق الموارد وتجويع المواطنين؛ حيث أشار إلى أن موانئ الحديدة الخاضعة للحوثيين استقبلت 75% من واردات اليمن خلال عام 2024 و67% خلال عام 2025. ورغم هذه التدفقات الضخمة، استحدثت المليشيا نقاط جمركية داخلية ورسوماً ازدواجية ضاعفت أسعار السلع الأساسية.

وفي الجانب النقدي، عَمّقت المليشيا الانقسام الاقتصادي عبر:

1. حظر الفئات النقدية الجديدة: فرض حظر على الطبعات الجديدة الصادرة عن البنك المركزي في عدن، ما شلّ حركة التجارة ورفع كلفة الحوالات المالية بين المحافظات إلى مستويات قياسية.

2. نهب الإيرادات وتجميد الأجور: واصلت الجماعة تحصيل كامل الإيرادات العامة والخدمية في مناطقها، متملصة من التزاماتها بصرف مرتبات 85% من موظفي الدولة المحرومين من مصدر دخلهم المنتظم لسنوات.

الجغرافيا المغلقة والقرصنة على المساعدات

لم يتوقف الحصار الحوثي عند حدود الاقتصاد، بل امتد إلى تقطيع أوصال الجغرافيا، عبر الاستمرار في إغلاق الطرق الرئيسية وعلى رأسها منافذ محافظة تعز المحاصرة، وفرض خطوط مرور بديلة ووعرة ضاعفت كلفة النقل التجاري. كما شمل الخنق السيطرة على أصول الناقل الوطني (طيران اليمنية)، مما حَرَم آلاف المرضى والطلاب والمسافرين من فرص التنقل.

وعلى صعيد العمل الإنساني، وثّق التقرير حالة تضييق وقرصنة غير مسبوقة:

احتجاز كوادر الإغاثة: توثيق احتجاز 163 موظفاً أممياً ودولياً وميدانياً.

مصادرة المقرات: اقتحام ومصادرة 73 مقراً تابعاً للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.

توجيه الإغاثة: التدخل المباشر في قوائم المستفيدين وتحويل المساعدات لصالح المجهود الحربي والجبهات الموالية، ما أجبر المنظمات على تقليص أو تعليق برامجها الإغاثية.

"مأساة مدرسة معين".. الشاهد الحي على سياسة "الإذلال بالخبز"

واستحضر التقرير حادثة التدافع الفاجعة في مدرسة معين بالعاصمة صنعاء عام 2023 -التي راح ضحيتها عشرات المدنيين أثناء اندفاعهم للحصول على مبالغ مالية زهيدة مقدمة من تجار- باعتبارها الصورة الأكثر بؤساً وتكثيفاً لنتائج سياسة التجويع؛ حيث تُدفع الجماهير للمخاطرة بأرواحها في سبيل للبقاء على قيد الحياة.

توصيات عاجلة: تفكيك منظومة الإخضاع

واختتمت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية تقريرها بالإديداع بأن ما شهده اليمن ليس أزمة اقتصادية ناتجة عن الظروف القاهرة، بل هو "سلوك قمعي مهندس" يعتمد سلب الموارد كاستراتيجية للحكم.

ودعت المؤسسة المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى تجاوز لغة "الإعراب عن القلق" والتحرك وفق مسار حاسم يشمل:

إنهاء الانقلاب الحوثي وتفكيك ركائز "الحصار الداخلي".

إلغاء القيود النقدية وفتح جميع الطرقات والمنافذ المغلقة فوراً.

الإفراج الفوري والشامل عن كافة موظفي الإغاثة والعمل الإنساني المحتجزين.

ضمان آلية مستدامة لصرف أجور موظفي الدولة وتحييد الموارد العامة.

مساءلة القيادات الحوثية المتورطة في جرائم الإفقار والتجويع الممنهج باعتبارها جرائم ضد الإنسانية.