كيف تعمل شبكات التهريب !؟ | من ازمة اليمن إلى محرقة أوكرانيا .. تشريح لشبكات مرتزقة العصر والاتجار بالبشر
متابعات خاصة
لم تعد الأزمة الإنسانية في اليمن مجرد مأساة معيشية محليّة، بل تحولت إلى سوق مفتوحة لتجارة المقاتلين العابرة للقارات. ففي استغلال فج لليأس والفقر الدقع، تنشط شبكات اتجار بالبشر وتجنيد عابر للحدود تستدرج آلاف الشباب اليمنيين بوعود وردية ووظائف مدنية براقة، قبل أن ينتهي بهم المطاف حطباً لـ"محرقة الجبهات" في الحرب الروسية-الأوكرانية.
وتكشف الشهادات المتواترة والتقارير الاستقصائية الدولية عن سيناريو صدمة يتكرر بانتظام: يبدأ بصفقات في غرف مغلقة داخل اليمن، وينتهي بتوقيع عقود عسكرية بلغات لا يفهمونها، ليجد الضحايا أنفسهم على خطوط النار الأولى بعيداً عن أوطانهم بآلاف الكيلومترات.
الفخ الأكبر: كيف تُنسج خدعة "العقود المدنية"؟
تصدرت الظاهرة التغطيات الدولية والمتابعات الاستخباراتية منذ عام 2024، مع تدفق مئات الشباب الذين ابتلعتهم الحرب الشرق-أوروبية. وتكشف تحقيقات لصحف عالمية، وفي مقدمتها "فايننشال تايمز"، عن آلية التضليل المعتمدة:
• عروض وهمية: يُغرى الشباب برواتب خيالية ومزايا استثنائية للعمل في مجالات حراسة المنشآت المدنية، الأمن، أو الهندسة.
• عقود "عمياء": فور وصول المستهدفين إلى الأراضي الروسية، يتم وضعهم تحت أمر واقع قسري لتوقيع عقود جندبة باللغة الروسية دون إتاحة الفرصة لترجمتها أو فهم بنودها.
• تدريب خاطف وإلقاء في التهلكة: تخضع الكوادر المدنية المستقطبة لتدريبات عسكرية سريعة وموجزة لا تتجاوز أياماً، قبل إقحامهم المباشر في خطوط المواجهة الملتهبة، برواتب فعلية لا تشكل سوى زهد ما وعدهم به الوسطاء.
هندسة التجنيد: مافيا بين طهران وموسكو ووسطاء الإقليم
وفقاً لتحقيق أعدته "شبكة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد" (OCCRP)، تنشط عملية التجنيد عبر بنية شبكية متعددة الطبقات لا تبدأ بصورة عسكرية مباشرة، بل عبر واجهات مدنية وشركات وهمية:
1. شبكة السماسرة: وسطاء يتنقلون بين المدن لاستغلال العاطلين عن العمل والترويج لفرص السفر.
2. الواجهات التجارية: رُصد تورط شركات تجارة عامة مسجلة في دول عربية بالمنطقة، لعبت دور "الجسر اللوجستي" للترتيب للسفر، وإصدار التأشيرات، وإغراء الضحايا بوعود الحصول على الجنسية الروسية.
3. التنسيق اللوجستي: تتولى الشبكة كافة الإجراءات من لحظة مغادرة اليمن وحتى تسليم المجندين لمراكز التدريب الروسية مقابل عمولات مالية ضخمة.
البيئة الخصبة: تحالف الفقر والنفوذ في مناطق الحوثيين
في تحليل لخبراء أمنيين وعسكريين يمنيين -من بينهم الخبير علي الذهب في تصريحات لـ "سكاي نيوز عربية"- فإن هذه العمليات لم تكن لتمضي بهذا الزخم لولا وجود غطاء نافذ ورعاية سوداء:
المحرك الرئيس: يتركز ثقل شبكات الاستقطاب في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، حيث أدى قطع رواتب الموظفين الحكوميين لسنوات طويلة وإغلاق سبل العيش إلى خلق بيئة إفلاس اقتصادي جعلت الشباب صيداً سهلاً للتجار والمغامرين.
وأوضح الخبراء أن العملية تعتمد على شبكة متصلة تضم:
• قيادات ونافذين داخل جماعة الحوثي يقدمون التسهيلات الأمنية واللوجستية.
• سماسرة ومصالح مشتركة تتمدد حتى مناطق سيطرة الحكومة لتسهيل المرور، مما حول عملية المتاجرة بأرواح اليمنيين إلى نشاط استثماري منظم يدر ملايين الدولارات.
المسارات الملتوية: كيف يُهرّب "الوقود البشري"؟
لا ينتقل المجندون عبر رحلات مباشرة تكشف هوياتهم وغاياتهم، بل تعتمد مافيا التهريب على مسارات ترانزيت معقدة:
تتيح هذه المسارات الملتوية الالتفاف على القيود الأمنية الدولية وتجاوز إجراءات السفر المشددة، وتضمن استمرار التدفق دون إثارة الشبهات في الموانئ والمطارات الرئيسية.
الخلاصة: التجارة باليأس في سوق الحرب المفتوحة
إن ما يجري بين اليمن وأوكرانيا يمثل إحدى أسوأ صور الاستغلال النفعي للأزمات الإنسانية؛ حيث تلتقي حاجة الجيش الروسي للحقن الميداني بالعنصر البشري، مع جشع شبكات التهريب والنافذين المحليين، على حساب يمنيين فرّوا من أتون الحرب في بلادهم ليجدوا أنفسهم بيادق في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ومع استمرار انسداد الأفق الاقتصادي والسياسي، تظل هذه المافيا العابرة للحدود تلتهم المزيد من أرواح الباحثين عن مجرد "لقمة عيش".

