إلى انتصار الحمادي
د. لمياء الكندي
سأكتب إليك اليوم بعاطفتي قبل موقفي، وبألمي قبل قلمي. سأكتب عنك، ليس بصفتك سجينةً سابقة، بل لأنك تمثلين مئات السجينات. انتصار خرجت، وهناك غير انتصار حدث لهن وما يزال يحدث لهن أضعاف ما حصل معك.
لستِ وحدك من أرهقت ذاكرتهن بوجع القهر وانكسار الظهر، لستِ وحدك، فأنتِ الكل، وأنتِ اليوم الصوت الحر الذي استمعنا من خلاله إلى قصص النساء اليمنيات في سجون المليشيات الحوثية.
البداية، في شعورك، كانت منذ يوم الاختطاف الأول، وقد اختصرتيها بأنها نهاية للحياة وموت.
هكذا تروي انتصار قصتها، لا لتسرد لنا معاناتها، ولكن لتخبر العالم بما عانته وما تعانيه كل امرأة يمنية لم تتصالح مع الكهنوت الحوثي.
لقد انتصرت انتصار على أشباح الموت الذين حصروا خيارات بقائها بين أن تكون امرأة بلا شرف، تمارس جهادًا مُدنَّسًا بالعار، بحسب عقيدة مسيرتهم، حيث تبقى مهمة إسقاط الخصوم، وحتى الرفاق، عبر النساء، مشروعًا وركيزة لضمان كسر الرجال وضمان عبوديتهم، تلك العبودية الموثقة بعلاقات محرمة يتم توثيقها.
وليست انتصار الوحيدة التي طُلب منها ممارسة الرذيلة الجهادية، فهناك قصص تطفح بها مجاري الكهنوت الزيدي السلالي، وحتى من غير السجينات، يتم إقناع الكثير ممن يتم استقطابهن، حتى من داخل الأسر السلالية وغيرها، بممارسة الرذيلة الجهادية خدمةً لمشروع السيادة الحوثية.
في السجن تعرضت انتصار للتعذيب النفسي قبل الجسدي. كيف تقاوم أن تكون مجاهدة بجسدها، وهي في الأساس بلا شرف، لأن معيار الشرف لديهم يخضع لاعتبارات خاصة؟
في سجون المليشيات تُجبر النساء على الاعترافات المسجلة بارتكاب أفعال محرمة.
ويتم ابتزاز الأهالي بهذه المقاطع، وتعزل النساء عن أهلهن الذين اقتنعوا بأن ابنتهم جلبت لهم العار.
أجاد سلطان زابن وعمار القانص وغيرهما من المجاهدات الزينبيات ممارسة الإذلال النفسي والجسدي ضد السجينات، وتحويل مظلوميتهن إلى عار يدفع الأهالي إلى البراءة من بناتهم.
بالآلاف، قالت انتصار إن عدد النساء في السجون بلغ هذا الحد.
لقد امتلك الحوثيون جرأةً في الاختطاف، وجرأةً في هتك أعراف المجتمع، وجرأةً على الله في دفع نسائنا إلى ممارسة الحرام.
لم يعد العار الذي ألصقته المليشيات الحوثية بالسجينات عارًا خاصًا بهن، بل أصبح عارًا معلقًا في جبين الدولة الشرعية التي لم تحرك ملف النساء المختطفات في سجون المليشيات، لا كملف تحقيق، ولا كملف حقوقي، ولا كملف تفاوضي لإنهاء معاناتهن.
وهو عار على الأسر التي تخلت عن بناتها مقابل دعاية حوثية رخيصة.
وهو عار على القبيلة اليمنية التي لم تفزع لصوت السجينات، وقد وصلت رسالتهن إليهم، رسالة استغاثة ورسالة نجاة، فلم تلقَ الرد الذي تستحقه.
لقد آن الأوان، يا انتصار، أن يسمع العالم معاناتكن، وأن ننتقل بقضيتكن من دهاليز الخذلان إلى مساحات النصرة والتضامن والمحاسبة.
ونحن معك، ومع كل يمنية ماجدة كُسرت ووجدت نفسها بلا ظهر، فنحن ظهرك وظهر كل سجينة، فلا عار أكبر من عار السكوت.
ودمتن بخير سجيناتنا المنسيات

