تفاصيل اجتماع سري بصنعاء | هندسة إيرانية لإعادة التموضع.. 4 ضباط إيرانيين يصيغون دور الحوثي كـ (حزب الله) الجديد في البحر الأحمر
وكالات | متابعات خاصة | بعد أشهر من البقاء على هامش الحرب المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بدأ تموضع المليشيات الحوثية يتغير تدريجياً، مع عودة تهديدات الملاحة الدولية إلى البحر الأحمر وخليج عدن.
يأتي ذلك، بالتوازي مع رفع وتيرة التصعيد العسكري محلياً، في تحرك يستهدف توسيع تداعيات الصراع الإيراني إلى البيئة الإقليمية المحيطة باليمن.
وتربط مصادر عسكرية مطلعة في القوات المسلحة اليمنية تنامي التحركات الحوثية ميدانياً وبحرياً بالمعلومات الواردة بشأن اجتماع عقده "المجلس الجهادي"، الذي يعد أعلى سلطة عسكرية وأمنية لدى الميليشيا، في يوليو المنصرم، بمشاركة 4 ضباط إيرانيين، بينهم سفير طهران في صنعاء علي محمد رضائي، وكبير خبراء الحرس الثوري في اليمن عبدالرضا شهلائي، إلى جانب عدد من أبرز قادة العمليات الحوثية.
ونقل موقع إرم نيوز عن تلك المصادر، قولها إن الحرس الثوري أعاد، عبر ممثليه في الاجتماع، صياغة الدور المنوط بالحوثيين ضمن المعادلة الإقليمية لطهران، من خلال ربط العمليات للميليشيا بهدف أوسع يتمثل في خلق بؤر توتر تهدد دول الجوار، وتوظيف الجغرافيا اليمنية منصة ضغط على الملاحة والطاقة، بما يرفع من كلفة أي ضغوط سياسية أو عسكرية على إيران.
وعقب أيام من اللقاء السري، أعلنت الميليشيا فرض "حظر بحري" على السعودية والسفن المرتبطة بموانئها في البحر الأحمر، تحت ذريعة ما وصفته بـ"الحصار" المفروض على مناطق سيطرتها.
وأحدث الإعلان صدمة أولية في حركة الملاحة، انخفضت خلالها نسبة عبور سفن الشحن التجاري عبر باب المندب خلال الفترة التالية مباشرة بنحو 24%، قبل أن تستقر الحركة نسبياً خلال الشهر الجاري، وفقاً لبيانات منصة "لويدز ليست إنتليجنس" المتخصصة في قطاع النقل البحري.
ووسط تراجع تأثيرات الاضطراب البحري، لجأ الحوثيون إلى إعادة التركيز على الساحل الغربي للبلاد، حيث كثفوا خلال الأسابيع الأخيرة هجماتهم على مواقع القوات الحكومية في مناطق تتصل جغرافياً بمضيق باب المندب، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تمهد لعمليات برية أوسع، تسعى من خلالها الميليشيا إلى إعادة تموضعها في مناطق أكثر قرباً من نقطة الاختناق البحري جنوبي البحر الأحمر.
وفي مؤشر على تصاعد مستوى رهان طهران على الميليشيا، قال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين محبي، في تصريحات نشرتها وكالة "مهر" الإيرانية أمس الخميس، إن القدرات العسكرية للحوثيين "تتزايد يوماً بعد يوم"، زاعماً عدم قدرة دول الجوار على كبح الجماعة أو تجنب هجماتها.
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور حسن عزيز، إن الحوثيين باتوا بشكل أوضح "جزءاً من حسابات الردع والضغط الإيرانية"، مع تصاعد دورهم الوظيفي في سياق استراتيجية طهران الهادفة إلى استخدام مضيق باب المندب بالتوازي مع اضطراب الملاحة في هرمز، بما يفتح جبهة بحرية جديدة ويضاعف الضغط على اثنين من أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية.
وأوضح في أن الحرب الإيرانية حولت الميليشيا من "قوة إسناد" ضمن محورها في المنطقة إلى "أداة ضغط بحري" لديها قدرة على تهديد الملاحة، لكن ذلك لم يصل بعد إلى مستوى "الخنق البحري" بالمعنى العسكري الذي يمكّنها من إغلاق باب المندب بصورة مستدامة.
وأضاف أن هذا التحول يجري على ثلاثة مستويات: عسكرياً، عبر توسيع نطاق المواجهة من البر إلى البحر؛ واستراتيجياً، عبر فتح جبهة ضغط غير مباشرة على الولايات المتحدة وحلفائها؛ واقتصادياً، من خلال التأثير في التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد.
وخلص عزيز إلى أن أهمية باب المندب بالنسبة إلى إيران لا تكمن في كونه بديلاً عن هرمز، بل في كونه ورقة مكملة له، مشيراً إلى أن طهران لا تحتاج إلى إغلاق المضيقين بالكامل، إذ يكفي رفع كلفة المرور وزيادة حالة عدم اليقين لدفع الأسواق وشركات النقل إلى إعادة حساباتها.
وبيّن أن هذا التطور يفرض تحدياً حقيقياً على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، في ظل تحول باب المندب إلى خطر بحري جديد، ما يعني أن أي أزمة مستقبلية مع إيران لن تبقى محصورة في مضيق هرمز، بل يمكن أن يمتد أثرها في لحظات إلى واحد من أهم ممرات التجارة الدولية.
من جهته، يرى الباحث السياسي عبدالله الدهمشي أن المعطيات التاريخية لطبيعة العلاقة بين جماعة الحوثيين والحرس الثوري الإيراني تؤكد أن الجماعة نشأت بوصفها قوة "وظيفية" تخدم مصالح طهران وأهدافها الإقليمية.
وقال الدهمشي إن إيران عملت على مدى السنوات الماضية على تطوير قدرات الحوثيين العسكرية ونقلها تدريجياً من تشكيل ذي طابع بري إلى قوة تمتلك أدوات جوية وبحرية أكثر تنوعاً.
وبحسبه، فإن هذا التطور لم ينجح حتى الآن في تحويل الحوثيين إلى قوة قادرة على ترجمة الأهداف الإيرانية إلى وقائع ميدانية، خصوصاً ما يتعلق بتوسيع نطاق الحرب وإشعال حرائق جديدة في المنطقة.
وأضاف أن أداء الجماعة طوال الشهرين الماضيين أظهر حدود هذه القدرات، إذ أخفقت في تحويل باب المندب إلى بؤرة أزمة مماثلة لما يشهده مضيق هرمز، رغم تصعيد عملياتها على الساحل الغربي واستهدافها ميناء المخا.
وذكر أن الحوثيين لم يتمكنوا خلال هذه الفترة من فرض تأثير حقيقي على حركة التجارة الدولية، وظلوا عاجزين عن الوصول إلى مرحلة خنق ممرات الملاحة الدولية في المياه المحيطة باليمن.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن الجماعة حرصت خلال الفترة الماضية على تقديم نفسها كقوة ناشئة قادرة على أداء أدوار مشابهة لما كانت تقوم به ميليشيا حزب الله في لبنان ضمن منظومة الأذرع الإيرانية، "غير أن الأحداث الأخيرة كشفت حدود هذا التصور".

