تابعنا

انتخابات أمريكية وإسرائيلية.. تداعيات عالمية على الأمن والاقتصاد

انتخابات أمريكية وإسرائيلية.. تداعيات عالمية على الأمن والاقتصاد

من المقرر أن تشهد الأيام القادمة إجراء انتخابات حاسمة في إسرائيل والولايات المتحدة، حيث سيحدد الناخبون في كلا البلدين مسارات سياسية قد تلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. ففي غضون أيام قليلة، سيشارك ملايين الناخبين على بعد آلاف الأميال في ممارسة حقوقهم الديمقراطية، مع نتائج قد تتجاوز حدود بلادهم.

تتوجه الأنظار أولاً إلى إسرائيل حيث ستجرى انتخابات برلمانية يوم الثلاثاء، يليها بأسبوع انتخابات الكونغرس الأمريكي. وبينما قد تبدو السياسة محلية في جوهرها، إلا أن عواقب هذه الانتخابات ستكون عالمية بلا شك. فالنتيجة في إسرائيل ستؤثر بشكل دائم على الشرق الأوسط والحروب الدائرة في المنطقة، بينما قد تشكل التغييرات المحتملة في الخريطة الانتخابية الأمريكية مستقبل الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى تأثيرها على الصراعات الإقليمية.

يرتبط هذان الحدثان الانتخابيان بشكل مادي وسياسي. تقدر مجموعة "الجمهوريون في الخارج إسرائيل" أن حوالي نصف مليون إسرائيلي يحملون جوازات سفر أمريكية يمكنهم التصويت في كلا الاستحقاقين. ويشير قادة المجموعة إلى أن هؤلاء الناخبين يمكن أن يؤثروا في سباقات انتخابية متقاربة في الولايات المتحدة، مما قد يصنع فارقاً حاسماً. لكن الارتباط الأعمق والأكثر حدة يكمن في الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي بدأت بضربات جوية واسعة دمرت أهدافاً عسكرية وقتلت قيادات إيرانية، لكنها فشلت في الإطاحة بالنظام، مما أدى إلى ردود فعل إيرانية قوية في الخليج وسيطرة على مضيق هرمز وإمدادات الطاقة العالمية.

لقد شكلت حقيقة الانتخابات بالفعل القرارات السياسية. فقد استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحملة الانتخابية للترويج لإمكانية شن هجوم جديد على إيران، مقدماً مزاعم جديدة حول التهديد النووي الإيراني، ومؤكداً ضرورة الإطاحة بالنظام. ويهدف نتنياهو بذلك إلى تعزيز صورته كقائد أمني، خاصة بعد الهجمات التي قادتها حماس في السابع من أكتوبر. وقد أضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هذا الجدل بدعمه لحملة نتنياهو الانتخابية، مشيراً إلى ضرورة "إنهاء المهمة" في إيران قريباً. وعلى الرغم من هذه التصريحات، ترددت تقارير متناقضة عن تدخل ترامب لكبح نتنياهو عن الهجوم قبل يوم الانتخابات، خوفاً من ارتفاع أسعار الطاقة وتأثير ذلك على الناخبين الأمريكيين.

تتزايد التكهنات حول ما إذا كان الهجوم على إيران سيتأجل إلى ما بعد الانتخابات. وتشير التوقعات في الإعلام الإسرائيلي إلى أن نتنياهو قد يحاول البقاء في السلطة عن طريق شن هجوم على إيران كرئيس وزراء تصريف أعمال بعد الانتخابات، مبرراً ذلك بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية. ويواجه نتنياهو، المعروف بقدرته على البقاء سياسياً، خطر إجراء تحقيقات رسمية وتجدد الدعاوى القضائية المتعلقة بالفساد إذا خسر السلطة. وقد أعلن منافسه، رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، رفضه الانضمام لأي حكومة وحدة، مؤكداً على ضرورة العمل العسكري ضد إيران، لكنه حذر في الوقت ذاته من تصعيد الحرب لأغراض سياسية. يرى بعض المحللين أن ترامب قد يكون أكثر استعداداً لمهاجمة إيران بعد الانتخابات إذا شعر بالتحرر من القيود الانتخابية، آملاً في إنهاء الحرب بدفعة أخيرة. ويرى آخرون أن ضعف إيران الاقتصادي قد يشجع على الإطاحة بالنظام، لكن هذه الاستراتيجية فشلت مراراً.

في إسرائيل، يوجد إجماع واسع عبر معظم الأحزاب حول التهديد الإيراني وضرورة كبحه. ولكن إذا انتخب الناخبون حكومة جديدة، فقد يقودها رئيس وزراء أقل ارتباطاً بالهجمات الجديدة. وفي هذه الظروف، قد يتغير موقف ترامب أيضاً، حيث صرح بأن أمريكا ستضطر للقيام بالعمل بنفسها إذا لم تكن إسرائيل بقيادة "صحيحة". يتابع المسؤولون الإيرانيون استطلاعات الرأي الأمريكية عن كثب، حيث يحذرون من أن أي ضربات بعد الانتخابات قد تغرق الشرق الأوسط في فوضى جديدة إذا ردت إيران بقوة، مهددة بضرب المطارات وخطوط الأنابيب والكابلات البحرية ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه، بالإضافة إلى القواعد الأمريكية والسفن الحربية. وقد حذر وزير الخارجية الإيراني من أن الهجمات الجديدة ستضع "حياة المدنيين ورفاهية جميع دول المنطقة والاقتصاد العالمي في خطر كبير".

تتقاطع الانتخابات مرة أخرى حول الاقتصاد العالمي. فقد هيمنت قضايا القدرة على تحمل التكاليف وتكلفة المعيشة على الحملات الانتخابية الأمريكية، وتفاقمت هذه المشاكل بسبب الحرب التي رفعت الأسعار مع سيطرة إيران على تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز. كما يعد الاقتصاد قضية انتخابية في إسرائيل، حيث يواجه الناخبون ارتفاع التكاليف وانخفاض الأجور، وتساهم الحرب في زيادة الإنفاق الدفاعي والضغط على المالية العامة. وقد حاول ترامب استرضاء الناخبين قبل الانتخابات برفع العقوبات عن روسيا، على أمل خفض الأسعار، واتخاذ موقف متشدد مع أوكرانيا. لكن الغضب الجمهوري يتزايد بشأن استراتيجيته المثيرة للجدل. ويشير السيناتور الأمريكي ثوم تيليس إلى أن الرئيس يمكنه خفض أسعار الطاقة عن طريق حل مشكلة إيران، بدلاً من تقديم تنازلات لروسيا.

أدت الحرب على إيران، إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، إلى انقسام الدعم التقليدي الحزبي في الولايات المتحدة. ويطالب بعض المرشحين الديمقراطيين بقطع المساعدات العسكرية عن إسرائيل، معتبرين أن الحليف الذي يأخذ المال لدفع أمريكا إلى حروب غير ضرورية ليس حليفاً. في البداية، كانت أهداف الحرب على إيران تدمير صواريخها الباليستية وتقويض قدراتها النووية وإضعاف دعمها للميليشيات، واستعادة مضيق هرمز. ومن غير المألوف في السياسة الأمريكية أن يسافر مرشحون إلى الضفة الغربية لدعم الفلسطينيين. وحتى نتنياهو يحذر من أن إسرائيل قد تضطر للبقاء دون "بطانية أمان" أمريكية في المستقبل.

بالطبع، إذا خسر رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن ذلك سينهي علاقة متقلبة شهدت دعم ترامب السابق ووصفه نتنياهو لاحقاً بأنه "مجنون". وسيتعين على زعيم إسرائيلي جديد نسج علاقة جديدة مع رئيس أمريكي سابق، مما سيخلق ديناميكية مختلفة تماماً. وإذا فاز الديمقراطيون بسيطرة أكبر على الكونغرس، فقد يضع ذلك حداً للدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، حيث يمتلك الكونغرس سلطات لتقييد الإنفاق العسكري وقطع المساعدات. ومع ذلك، سيحتفظ ترامب، بصفته رئيساً، بسلطة تنفيذية كبيرة وحق النقض لمواصلة الصراع حسب رؤيته. لقد غير قرار إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية، وقد تشكل الخيارات التي يتخذها الناخبون في كلا البلدين في الأيام القادمة مسار العالم.