ارتباك وتخبط حوثي متصاعد إزاء التحرك المصري المساند للسعودية .. والجماعة تلوح (بحرب الستينيات) لثني القاهرة عن دعم الرياض
متابعات خاصة |
أثار التحرك المصري الأخير لدعم السعودية حالة من التصعيد في خطاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، التي سارعت إلى وصف تفويض البرلمان المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة بأنه إعلان حرب على اليمن، ملوّحة بحرب استنزاف على غرار التضيحات الكبيرة التي قدمتها مصر لليمن في ستينيات القرن الماضي.
ويكشف رد الفعل الحوثي عن حساسية الجماعة تجاه احتمال اتساع نطاق التنسيق الإقليمي لمواجهة هجماتها العابرة للحدود، خصوصاً مع دخول القاهرة على خط الدعم السياسي والدفاعي للرياض، في خطوة من شأنها أن ترفع مستوى الضغوط على الجماعة إذا ترجمت إلى إجراءات عسكرية أو ترتيبات أمنية إضافية.
وبدلاً من التعامل مع القرار المصري باعتباره تفويضاً يتعلق بدعم السعودية والدفاع عن سيادتها، لجأت المليشيا إلى تقديمه باعتباره استهدافاً لليمن، في خطاب يسعى إلى توسيع دائرة المواجهة السياسية وإظهار أي تحرك لمساندة الرياض على أنه عدوان على البلاد، متجاهلاً الفارق بين الدعم الدفاعي المعلن وبين قرار شن حرب على الأراضي اليمنية.
وفي تصعيد لافت، حذّر محمد علي الحوثي، عضو ما يسمى المجلس السياسي الأعلى التابع للجماعة، القاهرة من الانخراط في مواجهة عسكرية، زاعماً أن الخطوة المصرية ستقود إلى حرب استنزاف جديدة شبيهة بتدخل الجيش المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، في إشارة إلى التضحيات والشهداء المصريين الذي ضحوا إلى جانب اليمنيين للقضاء على حكم الإمامة المستبد.
وجاءت التصريحات، التي نشرتها وكالة سبأ بنسختها الخاضعة للحوثيين في صنعاء، عقب تفويض البرلمان المصري، الاثنين، الرئيس السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم السعودية والدفاع عن أراضيها وسيادتها بالتنسيق بين البلدين.
ويحمل استدعاء حرب الستينيات أبعاداً تتجاوز التحذير العسكري؛ إذ تحاول الجماعة توظيف تجربة تاريخية مكلفة للجيش المصري في توجيه رسالة ردع إلى القاهرة، مفادها أن أي انخراط عسكري في الملف اليمني قد يفتح الباب أمام مواجهة طويلة الأمد.
ولم تقتصر تهديدات الجماعة على التحذير من الكلفة العسكرية المحتملة، بل سعى الحوثي إلى تصوير الدعم المصري للسعودية باعتباره خدمة لإسرائيل، زاعماً أن انشغال الجيش المصري في مواجهة جديدة قد يتيح تنفيذ مخططات تستهدف سيناء وتهجير الفلسطينيين إليها، من دون تقديم أدلة تثبت هذه الادعاءات.
ويعكس إدخال ملف سيناء والقضية الفلسطينية في سياق الرد على القرار المصري محاولة لربط التحرك الدفاعي السعودي بتهديدات إقليمية أوسع، بما يضع القاهرة أمام اتهامات سياسية تتجاوز مضمون التفويض نفسه.
وتسعى هذه المقاربة إلى نقل النقاش من الهجمات التي تستهدف السعودية وتداعياتها الأمنية إلى التشكيك في دوافع التحرك المصري، واستخدام القضايا الحساسة لدى الرأي العام العربي وسيلة للضغط على القاهرة وثنيها عن تقديم الدعم للرياض.
وفي السياق ذاته، دعا الحوثي مصر وتركيا وباكستان إلى الانسحاب مما وصفه بـ تحالف الدفاع عن مكة ، وعدم دعم العمليات العسكرية السعودية، في خطاب يضع الدول المعنية أمام خيارين صاغتهما الجماعة وفق روايتها: إما الابتعاد عن دعم المملكة، أو مواجهة حرب استنزاف محتملة.
ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار المخاوف السعودية من الهجمات الصاروخية والجوية المنسوبة إلى الحوثيين. وكانت الرياض قد أعلنت، الثلاثاء، اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية وأربع طائرات مسيّرة، في تطور يعزز المخاوف من استمرار التهديدات العابرة للحدود.
وتضع هذه الهجمات التحرك المصري في سياق أمني يتصل بالدفاع عن السعودية، وليس بالضرورة بفتح جبهة حرب جديدة داخل اليمن. فالتفويض المعلن يرتبط بدعم المملكة والدفاع عن أراضيها وسيادتها، بينما يبقى شكل الدعم المحتمل وآلياته ومداه خاضعاً للقرارات الرسمية والتنسيق بين البلدين.
وفي المقابل، تحاول المليشيا تصوير أي تحرك دفاعي محتمل باعتباره مقدمة لاستهدافها، بما يتيح لها تقديم نفسها في خطابها الداخلي بوصفها طرفاً يتعرض للتهديد الخارجي، بدلاً من التركيز على مسؤوليتها عن الهجمات التي دفعت إلى تصاعد الدعوات لتنسيق الجهود الدفاعية الإقليمية.
ويكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة في ظل موقع اليمن الجغرافي المحاذي لممرات بحرية حيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، الذي يرتبط أمنه باستقرار الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. وفي هذا الإطار، زعم الحوثي أن جماعته لا تشكل تهديداً للملاحة، بل توفر الحماية لها، وهي مزاعم تتعارض مع المخاوف الإقليمية والدولية التي أثارتها الهجمات والتهديدات المرتبطة بأمن الممرات البحرية.
ويشير الانتقال السريع من الاعتراض على القرار المصري إلى التهديد بحرب استنزاف، ثم ربط التحرك بمخططات إسرائيلية مزعومة، إلى اعتماد الجماعة خطاباً متعدد المسارات للضغط على القاهرة: استدعاء التجربة التاريخية، والتحذير من الخسائر العسكرية، وإثارة المخاوف المرتبطة بالأمن القومي المصري والقضية الفلسطينية.

