تابعنا

من بطاريات الهواتف إلى وقود الصواريخ: كيف تحولت الموارد المدنية إلى عصب الترسانة العسكرية الحوثية؟

من بطاريات الهواتف إلى وقود الصواريخ: كيف تحولت الموارد المدنية إلى عصب الترسانة العسكرية الحوثية؟

 وكالات | متابعات خاصة:

في تطور نوعي يضرب منظومة العقوبات الدولية في مقتل، كشف تقرير أممي حديث صادر عن فريق الخبراء المعني باليمن، عن تحول استراتيجي خطير تنتهجه ميليشيا الحوثي الإرهابية؛ تمثل في الانتقال الممنهج من مرحلة "إعادة تجميع الأجزاء المهربة" إلى "توطين التصنيع العسكري المحلي بالكامل"، معتمدةً على استغلال السلع المدنية والمواد الكيميائية مزدوجة الاستخدام التي تتداخل مع الاحتياجات التجارية اليومية لليمنيين.

التقرير الذي قُدم مؤخرًا إلى مجلس الأمن الدولي، يسلط الضوء على ثغرات فادحة في آليات حظر الأسلحة التقليدية التي ركزت تاريخياً على تتبع "الأسلحة الجاهزة"، متغافلة عن تدفق المكونات الأولية والسلائف الكيميائية المتوافرة في الأسواق التجارية.

أولاً: إفراغ العقوبات الدولية من مضمونها

أوضح فريق الخبراء أن لجوء الحوثيين لتصنيع أجزاء كاملة محليًا أدى إلى تقويض فعالية نظام الجزاءات الدولي وصعوبة رصد عمليات التوريد المشبوهة. ولتجاوز حيل الميليشيا—التي تعمد إلى إزالة علامات التعريف أو استخدام أجزاء مقلدة—اعتمد الفريق الأممي منهجًا تصنيفيًا جديدًا يركز على قوائم المكونات مزدوجة الاستخدام. ويهدف هذا التوجه إلى تقليل نقاط الضعف في سلاسل الإمداد الحوثية، وخفض الاعتماد على تهريب السلاح الجاهز، لصالح بناء قاعدة إنتاج حربية ذاتية.

ثانياً: من الاستخدام المدني إلى جبهات القتال (أدلة دامغة)

وثق التقرير بالأدلة والشواهد تحويل وجهة مواد وسلع مدنية حيوية إلى الصناعات العسكرية، أبرزها:

• بطاريات "ليثيوم أيون": تم إعادة توظيفها ضمن منظومات إلكترونية وطاقية تدير الطائرات المسيرة.

• محركات الطائرات الصغيرة: محركات بنزينية ثنائية الأشواط مدنية الأصل، جرى هندستها عكسياً وتطويرها لتشغيل طرازات من الصواريخ والمسيرات الحوثية مثل طرازات "صماد" و"يافا".

• أنظمة التوجيه والملاحة: الاعتماد على وحدات القياس بالقصور الذاتي (IMUs)، وأجهزة "الجيروسكوب"، ووحدات الملاحة الفضائية العالمية (GNSS)، والتي يتم تهريبها وإخفاؤها داخل شحنات تجارية بريئة كقطع الغيار والأقمشة.

• الوقود الصلب والمتفجرات:

• ضبط كميات ضخمة من كلورات الأمونيوم (مؤكسد قوي لرفد وقود الدفع الصاروخي الصلب).

• مسحوق الألومنيوم الكروي لرفع كفاءة الانفجار والدفع.

• حمض النيتريك (المركز والمدخن) المستخدم في تصنيع متفجرات شديدة الخطورة مثل (RDX وTNT) وكمؤكسد للقذائف السائلة.

• مواد كيميائية أخرى شملت كلورات الصوديوم، فوق كلورات البوتاسيوم، حمض الكبريتيك، ومادة الهيدرازين.

ثالثاً: مخاطر استراتيجية عابرة للحدود

يؤكد التقرير أن الاعتماد على التصنيع المحلي يمنح الميليشيا مرونة عسكرية غير مسبوقة وقدرة متجددة على شن هجمات عابرة للحدود، مما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي وسلامة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، متجاوزاً التأثير الداخلي المباشر على اليمن.

رابعاً: استراتيجيات واعدة لتقويض الترسانة الحوثية

لم يكتفِ فريق الخبراء برصد المخالفات، بل قدم حزمة توصيات صارمة وموجهة لكل من مجلس الأمن، لجنة الجزاءات، والحكومة اليمنية، تتلخص في الآتي:

1. تحرك أممي رفيع: دعوة مجلس الأمن لعقد اجتماع عاجل يضم اليمن ودول المنطقة لمناقشة خطر التصنيع العسكري الحوثي المستشري، وإعادة إدراج تقارير منتصف المدة لتتبع المكونات التجارية.

2. شراكة تقنية وفنية: توفير الدعم الدولي اللازم للحكومة اليمنية لتعزيز قدراتها في مجالات التحليل الجنائي، وعلم الآثار العسكري، والتحقيق في حطام المسيرات والصواريخ المضبوطة.

3. تشديد الرقابة وتجفيف السلاسل:

• إطلاع الحكومة اليمنية على قوائم المواد الحساسة والمقيدة لاعتمادها رسمياً.

• وضع قوائم سوداء تضم الوسطاء والكيانات المتورطة في توريد المكونات المحظورة وإبلاغ بلدان المنشأ.

• إلزام الدول الأعضاء بالاحتفاظ بسجلات دقيقة لمبيعات المواد عالية الخطورة، والتعاون الاستخباراتي مع السلطات اليمنية.

يختتم التقرير بالتأكيد على أن تفعيل هذه الإجراءات يعد السبيل الوحيد لتجفيف منابع الدعم العسكري المحلي للحوثيين وتقويض قدرتهم على ديمومة آلتهم الحربية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على انسيابية الأنشطة الإنسانية والتجارية المشروعة في الاقتصاد اليمني.