القضية الجنوبية اليمنية: الجغرافيا الاستراتيجية محرك الصراع المتجدد
تُشير تحليلات سياسية متعمقة إلى أن القضية الجنوبية في اليمن قد تجاوزت إطارها الحقوقي الأولي الناتج عن تداعيات حرب 1994، لتتحول إلى عنصر محوري في صراع أوسع تتشابك فيه الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، مع التأكيد على أن الموقع الجغرافي للجنوب اليمني، المطل على مضيق باب المندب والبحر العربي، هو المحدد الأساسي لهذا التحول.
يُجمع الخبراء في الجيوبوليتيك على أن الجغرافيا اليمنية كانت تاريخياً دافعاً رئيسياً للتدخلات الخارجية، نظراً لربطها الحيوي لخطوط الملاحة الدولية وممرات الطاقة العالمية، مما جعلها تحت مرمى القوى الكبرى بشكل مستمر. وعليه، فإن تصاعد الاهتمام الدولي الأخير بالمحافظات الجنوبية يُفسر كعودة قوية للاعتبارات الاستراتيجية البحتة، يفوق الاستجابة للمطالب المحلية وحدها.
تاريخياً، يعكس هذا النمط التمركز حول الجغرافيا ما حدث إبان الاحتلال البريطاني لعدن والمناطق الساحلية، حيث ركزت بريطانيا على السيطرة العسكرية المباشرة كنقاط ارتكاز بحرية، معتمدة على تفكيك المناطق الداخلية عبر سلطنات موالية. ويرى المؤرخون أن هذا النموذج الاستعماري أدى إلى إبقاء الجنوب مفتتاً سياسياً واجتماعياً، مما ترك آثاراً هيكلية عميقة.
ومع دخول جنوب اليمن في سياق الحرب الباردة وتعزز الحضور السوفييتي في السبعينيات والثمانينيات، ارتبط الاهتمام مجدداً بالموقع البحري الاستراتيجي، قبل أن تنهي الوحدة عام 1990 السيطرة الموزعة. ومع ذلك، لم تُنهِ الوحدة الأطماع الدولية، بل دفعتها نحو مقاربات بديلة، حيث جرى توظيف البعد الجنوبي والمظلوميات السياسية لاحقاً كمدخل لإعادة طرح مشاريع تقسيمية تخدم النفاذ إلى الجغرافيا الحيوية.
في السياق الراهن، يزداد تعقيد مسار القضية مع بروز قوى محلية مدعومة بتحالفات إقليمية، وتزايد الخطاب الانفصالي الذي يستدعي كيانات تاريخية، مما يشير إلى محاولة لإعادة إنتاج كيانات هشة تعتمد على الدعم الخارجي مقابل امتيازات استراتيجية. ويحذر خبراء أمنيون من أن أي تقسيم محتمل لليمن سيؤدي إلى فراغ أمني وتحويل الجنوب إلى ساحة تنافس دائم للقوى الإقليمية والدولية، مما يهدد أمن الممرات البحرية في ظل الصراعات الجيوسياسية الكبرى.
داخلياً، تفاقمت الانقسامات بسبب غياب الإطار الوطني الجامع وحالة الاستقواء المتوارثة. ويُستدل على ذلك بالتوترات الميدانية المرتبطة بالصراع على الموارد الطبيعية، كما ظهر في اجتياح قوات المجلس الانتقالي لبعض المحافظات الشرقية مؤخراً. ويشير المحللون إلى أن انتقال مركز الثقل من المطالب السياسية إلى صراعات الثروة يدل على تحول نوعي؛ فصراعات الموارد تميل إلى الاستدامة وتتطلب تدخلاً خارجياً متزايداً.

