ازدواجية "الإخوان" في حرب اليمن: تحالف الحدود وطعنات الداخل.. كيف خُدم الحوثي؟
بقلم: نجم المُريري *
"نحن مع الحوثي على الحدود، وضده في الداخل".. لم تكن هذه مجرد مقولة عابرة ترددت في أروقة حزب الإصلاح (إخوان اليمن) مع بواكير الحرب عام 2015، بل كانت هي "المانيفستو" الذي صاغ وعي قواعدهم من الهرم إلى القاعدة. هي معادلة غريبة، تمزج بين السذاجة السياسية والانتهازية المقيتة، لكنها في الحقيقة كانت أعظم هدية مُنحت للمليشيا الحوثية لتعبيد طريقها نحو الوعي الشعبي؛ فالمتمرد الانقلابي استحال بفضل هذا المنطق "بطلاً قومياً" يذود عن حياض الوطن.
غسيل السمعة وتجريف المقاومة
سياسياً، أدت هذه الازدواجية إلى عزل القوى الوطنية الحقيقية، وعلى رأسها حزب المؤتمر. لم يعد الحوثي بحاجة لبذل جهد لإقناع الشارع ببرنامجه السياسي المتهالك، فقد اكتفى بـ "شرعية الحدود" التي باركها خصومه الإخوان.
في سنوات الحرب الأولى، تحولت المناوشات الحدودية إلى "مغسلة كبرى" تطهر جرائم المليشيا في الداخل. وبينما كان الوعي الجمعي اليمني يرى في الحوثي مجرد أداة إيرانية لتفتيت الدولة، تدخل "المطبخ الإخواني" ليعيد رسم الصورة، ويصوره كـ "ند" لدول الخليج. هذا التسويق المسموم قتل روح المقاومة الداخلية؛ فإذا كان الحوثي هو "رمز الكرامة" على الحدود، فإن معارضته في الداخل بدأت تظهر في وعي الكثيرين وكأنها خيانة أو ارتماء في أحضان الخارج.
سلاح الإرباك: شل الوعي الأخلاقي
إن تصدير فكرتين متناقضتين في آن واحد هو السلاح التاريخي للإخوان لإرباك الجمهور وتخديره. هي حالة من "التشويش المتعمد" تُفقد الفرد قدرته على اتخاذ موقف أخلاقي واضح، حيث يضيع الخيط الرابط بين المنطق والواقع، ويصبح المجتمع تائهاً أمام الحقيقة العارية.
واليوم، يستنسخ الإخوان ذات القالب: "الحوثي عدو في صنعاء وبطل على الحدود". هذا المنطق العقيم هو ذاته الذي يحكم نظرتهم للاعتداءات الإيرانية؛ فهي "مقبولة" حين تستهدف أبوظبي، و"مرفوضة" (ظاهرياً) حين تستهدف الرياض.
مقامرة "المخلب الإيراني" والذاكرة المثقوبة
يتوهم الإخوان أن الذاكرة السعودية هشة، متناسين تمجيدهم المبطن للحرب الإيرانية التي تُشن من أرض اليمن. استراتيجيتهم واضحة: "ليقم الحوثي بوظيفته كمخلب إيراني ينهش كتف الجار، بينما نتفرغ نحن لتقاسم المناصب والغنائم". ورغم محاولات التخفي، يبقى الهدف الأسمى الذي يجمعهم بمشروع طهران هو كسر هيبة السعودية والإمارات؛ فهم يرون في الصاروخ الإيراني أداة لتغيير موازين القوى التي عجزوا عن زحزحتها بالسياسة.
التقية المزدوجة وسعار التشفي
هذا التشويه المتعمد لمفهوم الحرب يفسر حالة "السعار" والإسفاف التي يمارسها الإخوان اليوم في تشفيهم من القصف الذي يستهدف الإمارات، بينما يمارسون "تقية مزدوجة" تجاه السعودية؛ يظهرون الولاء للرياض لأنها الملاذ الأخير لشرعيتهم ومصالحهم، بينما يفرغون شحنات حقدهم الأيديولوجي ضد أبوظبي.
طوال عقد من الصراع، لم ينظر الإخوان للتحالف العربي كحليف مصيري في معركة الوجود والهوية، بل ككيان "هش" يُمكن ابتزازه ببعبع المليشيا. بالنسبة لهم، الحرب ليست لاستعادة الدولة، بل هي بورصة للمكاسب السياسية والمالية، ولو كان الثمن هو بقاء المخلب الإيراني مغروساً في خاصرة المنطقة.
* مع التصرف

