في اليمن | الاستخبارات في المزاد الإعلامي: هجوم حاد على رئيس (الأمن القومي) السابق عقب ظهوره في بودكاست.. وهندسة الذاكرة الوطنية لصالح (الإخوان)
متابعات خاصة |
فجّر الظهور الإعلامي الأخير لرئيس جهاز الأمن القومي اليمني الأسبق، اللواء علي حسين الأحمدي، موجة عارمة من الانتقادات والردود الغاضبة في الأوساط الصحفية والسياسية اليمنية. واعتبر مراقبون أن تحول "رجل الظل الأول" في حقبة سقوط صنعاء إلى ضيف في برامج البودكاست يمثل سابقة خطيرة في تاريخ أجهزة الاستخبارات، ويعكس حجم التحلل الذي أصاب مؤسسات الدولة السيادية، مستنكرين تحول أسرار الأمن القومي إلى مادة للمشاهدات والتجاذبات السياسية.
وفي قراءة نقدية معمقة لهذا الظهور، شنّ الكاتب والصحفي اليمني أنس الخليدي هجوماً حاداً على المقابلة التي بثتها منصة "اليمن بودكاست"، مؤكداً أن المادة المقدمة لا تقف عند حدود السرد التاريخي، بل تمثل محاولة خطيرة لإعادة صياغة الرواية الوطنية، وتكريساً لسياسة "الإفلات من العقاب" لصالح شخصيات ومكونات شاركت بشكل مباشر في صناعة نكبة اليمن.
وقال الخليدي، في مقال مطول على المقابلة، إنه استمع إليها كاملة، وخلص إلى أن ما تشهده اليمن اليوم يعد امتدادًا طبيعيًا لمسار الانهيار الذي بدأ منذ سنوات، مشيرًا إلى أن الدولة لم تحاسب الرئيس السابق عبدربه منصور هادي على ما وصفه بالتفريط بالبلاد، كما لم تحاسب حزب الإصلاح (تنظيم الإخوان)، على ما اعتبره تخريبًا لمؤسسات الدولة وتسليم مفاصلها لإيران، إضافة إلى عدم مساءلة قيادات أمنية، بينها علي حسين الأحمدي، عن الفشل الأمني الذي سبق سقوط صنعاء.
واعتبر أن استمرار غياب المحاسبة سمح، بحسب رأيه، للقيادات التي تحمل مسؤولية تلك المرحلة بالعودة إلى المنصات الإعلامية لإعادة كتابة التاريخ وتوزيع المسؤوليات بما يخدم روايتها الخاصة، واصفًا "اليمن بودكاست" بأنه منصة لإعادة هندسة الذاكرة الوطنية والجماعية.
وتناول الخليدي ظهور الأحمدي من زاوية مهنية واستخباراتية، مؤكدًا أن العقيدة الأمنية في الدول ذات المؤسسات الراسخة تقوم على تقليل الظهور الإعلامي لقيادات الأجهزة الأمنية والحفاظ على سرية المعلومات حتى بعد انتهاء خدمتهم، مشيرًا إلى أن رجل الاستخبارات "لا يتقاعد عن الصمت كما يتقاعد عن المنصب".
وأضاف أن حديث رئيس سابق لجهاز الأمن القومي عن كواليس العمل الاستخباراتي وسقوط صنعاء لا يقتصر على سرد رواية تاريخية، بل يفتح الباب، بحسب وصفه، أمام تحليل آليات عمل الأجهزة الأمنية وطبيعة قراراتها، لافتًا إلى أن حتى الامتناع عن الإجابة أو طريقة التفاعل مع الأسئلة قد تحمل دلالات استخباراتية.
وأكد الخليدي أن الأجهزة الأمنية تمثل خط الدفاع الأخير عن الدولة، إذ تواصل أداء مهامها حتى في المراحل التي تنهار فيها مؤسسات أخرى، معتبرًا أن ظهور رئيس هذا الجهاز في مقابلة إعلامية يثير تساؤلات مشروعة حول الحدود الفاصلة بين ما يجب أن يبقى ضمن الذاكرة المؤسسية للأجهزة الأمنية وما يمكن تداوله في المجال العام.
وانتقد اختيار الأحمدي الظهور عبر برنامج "اليمن بودكاست"، الذي وصفه بأنه منصة محسوبة على تنظيم الإخوان، معتبرًا أن استضافة رئيس سابق لجهاز أمني في منصة إعلامية تابعة لطرف سياسي كان جزءًا من الصراع لا يمكن تفسيرها، من وجهة نظره، باعتبارها مجرد حوار إعلامي، بل تمثل محاولة لإعادة صياغة الرواية التاريخية بما يخدم أجندة سياسية محددة.
وأشار إلى أن طبيعة عمل رؤساء أجهزة الاستخبارات في مختلف دول العالم تفرض عليهم البقاء بعيدًا عن الأضواء حتى بعد مغادرة مناصبهم، مستشهدًا بأجهزة استخبارات في بريطانيا وإسرائيل والولايات المتحدة، التي قال إن قياداتها السابقة لا تظهر إعلاميًا ولا تتحدث عن تفاصيل العمليات الأمنية والاستخباراتية.
ورأى الخليدي أن انتقال رئيس جهاز الأمن القومي السابق من "رجل ظل" إلى ضيف دائم أمام الكاميرات يمثل، بحسب تعبيره، اعترافًا ضمنيًا بأن الجهاز فقد أهم مقومات عمله، وهي القدرة على البقاء بعيدًا عن العلن، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات خطيرة حول العلاقة بين الإرث المهني لقيادات الأجهزة الأمنية ومتطلبات النقاش العام.
واختتم الكاتب اليمني مقاله بالتأكيد على أن كشف الأسرار العسكرية والأمنية عبر المنصات الإعلامية يمثل، وفقًا لرأيه، خسارة استراتيجية للدولة، محذرًا من أن استمرار هذا النهج يمنح خصوم اليمن معلومات كان يفترض أن تبقى داخل المؤسسات الأمنية، مضيفًا أن الدول لا تبني أمنها عبر البودكاست والمنصات الإعلامية، بل من خلال مؤسسات تحفظ أسرارها وتحمي أمنها القومي قبل أي شيء آخر.

