تابعنا

فساد "الدوائر الضيقة" | صنعاء "المهجورة" إدارياً: اختفاء وزراء الحوثي يُدخل المؤسسات نفق "الإدارة الخفية" والابتزاز الممنهج

فساد "الدوائر الضيقة" | صنعاء "المهجورة" إدارياً: اختفاء وزراء الحوثي يُدخل المؤسسات نفق "الإدارة الخفية" والابتزاز الممنهج

صنعاء | تقرير خاص

تعيش المؤسسات الحكومية في العاصمة المختطفة صنعاء حالة من "الموت السريري" والجمود الإداري الشامل، إثر اختفاء مفاجئ لكبار قيادات ميليشيا الحوثي ووزرائها عن مقار أعمالهم. هذا الغياب، الذي يأتي مدفوعاً بهواجس أمنية وقرارات عسكرية مرتبطة بالتصعيد الإقليمي، حوّل معاملات المواطنين إلى "رهائن" في يد شبكات ابتزاز يقودها مرافقون وسماسرة يعملون من خلف الكواليس.

عزلة "أمنية" تشلّ مفاصل الدولة

كشفت مصادر إدارية مطلعة في صنعاء عن صدور تعليمات صارمة من "الدائرة الأمنية" للميليشيا، تقضي بتواري الوزراء والوكلاء عن الأنظار، وتقنين الظهور العلني إلى أدنى مستوياته. وشملت التوجيهات حظر استخدام الهواتف الذكية وتجنب التواجد في المكاتب الرسمية، خشية الاستهداف، ما أدى إلى قطع خيوط التواصل المباشر بين الهرم الإداري والقاعدة الوظيفية.

"الحكومة المتنقلة": المعاملات في حقائب المرافقين

بدلاً من أروقة الوزارات، باتت "المنازل السرية" والمواقع غير المعلنة هي المقار البديلة لاتخاذ القرار. وأكدت المصادر أن المعاملات تُجمع في "شنط" وتُنقل عبر وسطاء ومرافقين شخصيين إلى مواقع تواجد المسؤولين الغائبين، ليتم البت فيها بعيداً عن الرقابة المؤسسية، قبل أن تعود مجدداً عبر ذات القنوات الملتوية.

هذا النمط من "الإدارة عن بُعد" أفرز واقعاً كارثياً، تمثل في:

بروز "سلطة المرافقين": تحوّل حراس المسؤولين إلى أصحاب القرار الفعليين، والمتحكمين في مصير المعاملات.

شرعنة الابتزاز: فُتح الباب على مصراعيه لفرض جبايات غير قانونية ومبالغ طائلة مقابل "تهريب" المعاملات وإيصالها ليد المسؤول لتوقيعها.

تكدس المظالم: آلاف الملفات بقيت حبيسة الأدراج بانتظار توقيعات "أشباح" لا يراهم الموظفون ولا يجرؤون على سؤالهم.

التجار والمقاولون.. الضحية الأكبر

في قطاع الأعمال، تصاعدت صرخات الاستغاثة من تجار ومقاولين وجدوا أنفسهم أمام حائط مسدود. ورصد التقرير شهادة لأحد المقاولين (يُدعى الذراري)، أكد فيها أن مستحقاته المالية مجمدة في ردهات وزارة المالية منذ أكثر من عشرة أيام، والسبب "غياب الوكيل المختص" الذي يرفض الحضور أو استقبال أي مراجعين، وسط ضبابية تامة حول موعد الإفراج عن المعاملة.

فساد "الدوائر الضيقة"

لم تكتفِ القيادات الحوثية بالغياب، بل حصرت تمرير الملفات الحساسة والمالية في "دوائر مغلقة" من الموالين عقائدياً، مما عزز من سياسة المحسوبية وضيق مساحة العمل القانوني. وأفادت المصادر أن هذا الوضع خلق حالة من السخط المكتوم لدى الموظفين العموميين الذين يواجهون وحدهم غضب المراجعين وضغوط العمل، بينما يكتفي "الوزراء" بإدارة الصفقات من مخابئهم.

خلاصة المشهد:

إن ما تشهده صنعاء اليوم ليس مجرد "أزمة إدارية"، بل هو انعكاس لتقديم الجماعة هواجسها الأمنية وتحركاتها العسكرية على مصالح الملايين. لقد تحولت المؤسسات إلى هياكل خاوية، وسقط الجهاز الإداري في قبضة "اقتصاد الظل" والابتزاز، مما يضع المدينة أمام انهيار مؤسسي كامل يضاف إلى مآسيها الاقتصادية والمعيشية.