أيلول تعز.. "قربان" الإهمال الممنهج في مدينة يحاصرها الموت من الداخل والخارج
تعز | تقرير استقصائي
لم تكن نبوءة والدة الطفل "أيلول عيبان السامعي" مجرد صرخة في وادٍ سحيق، بل كانت لائحة اتهام مسبقة ضد سلطة غائبة وضمير مستتر. ففي مدينة تعز، حيث يتربص الموت بالسكان خلف كل زاوية، لم يأتِ رحيل أيلول (11 عاماً) برصاصة قناص هذه المرة، بل غرقاً في "ثقب أسود" من الإهمال، حذرت منه والدته قبل أشهر، وكأنها كانت ترقب بعين القلب فاجعة ولدها وهي تُصنع في مكاتب المسؤولين الموصدة.
النبوءة الموجعة: صرخة لم يسمعها إلا "القدر"
في مطلع مايو 2025، خطّت والدة أيلول تدوينة عبر "فيسبوك" تقطر وجعاً وقلقاً، محذرةً من حفرة مجاري مكشوفة في حيهم، تتربص بخطوات الأطفال الصغار. سألت بمرارة: "بكرة لما يروح فيها طفل.. ايش بتكون الأعذار؟". لم يكن سؤالها تعجيزياً، بل كان استغاثة أخيرة لردم "فخ الموت" الذي ظل مفتوحاً لأشهر، ينفث الروائح والبعوض، وينتظر ضحيته الأولى. لكن "الأعذار" التي تساءلت عنها، حضرت ببرود رسمي عقب انتشال جثمان طفلها بعد 18 ساعة من البحث المضني في سد العامرية.
رحلة الوداع: سيول جارفة ومسارات مغلقة
صباح الجمعة الدامي، وأثناء عودته من مدرسته في حي الكوثر، جرفته السيول الهادرة، لتبدأ رحلة البحث التي شارك فيها الدفاع المدني والأهالي، في مشهد جسد تلاحم الضحايا في مواجهة الكارثة. المفارقة المأساوية تجلت في مسار الجثمان؛ حيث نُقل من سد العامرية إلى منطقة الحوبان، ثم أُدخل إلى تعز عبر المنفذ الشرقي، في تذكير صارخ بأن الموت في تعز يمر بمتاهات الحصار والقيود حتى في رحلته الأخيرة نحو القبر.
تشريح الكارثة: تحالف "الإهمال والحصار"
أجمعت القراءات الحقوقية والسياسية على أن أيلول لم يمت "قضاءً وقدراً" بالمعنى الساذج، بل قُتل مرتين:
1. داخلياً: عبر فشل السلطة المحلية في تأمين البنية التحتية، وترك الحفريات والمجاري المكشوفة كأفواه مفتوحة لابتلاع المارة، وانشغال القوى السياسية بـ "غنائم" المناصب على حساب أرواح البشر.
2. خارجياً: عبر الحصار الخانق الذي جعل من عمليات الإنقاذ والبحث مهمة شبه مستحيلة، وحوّل مناطق التماس إلى عوائق قاتلة تمنع الوصول السريع للضحايا، مما جعل الحصار "شريكاً صامتاً" في الإجهاز على الجريح والمفقود.
تعز.. بين "قناص الجبهة" و"قناص المؤسسة"
في رؤية رمزية وصادمة، يرى الرسام رشاد السامعي أن الخطر في تعز بات مزدوجاً؛ فهناك قناص يترصد في المتاريس، وهناك "قناصون إداريون" داخل مؤسسات الدولة يقتلون الناس بقراراتهم المعطلة، وتقاعسهم عن أداء واجباتهم، وفسادهم الذي يترك الشوارع بلا صيانة والناس بلا حماية.
"الأطفال الذين نجوا من شظايا القذائف، وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع غياب إجراءات السلامة البدائية.. في تعز، الدولة ليست غائبة فحسب، بل هي شريكة في التدهور بصمتها وتجاهلها." – من آراء الناشطين.
خاتمة: مدينة تراكم أحزانها
تظل مأساة أيلول جرحاً غائراً في ذاكرة المدينة، وتحذيراً أخيراً بأن الإهمال هو "السيول الحقيقية" التي تجرف الأرواح. وبينما يرتص سكان تعز في طابور طويل من الوجع اليومي، يبقى السؤال الذي طرحته والدة أيلول معلقاً في أروقة مكاتب السلطة في شارع جمال: من هو "أيلول" القادم الذي سينتظر المسؤولون سقوطه ليصدروا بيان "تعزية" جديد؟
تعز لا تحتاج إلى "دموع التماسيح" الرسمية، بل إلى ردم حفر الموت، وترميم كرامة الإنسان الذي صار أرخص ما تملكه المدينة.

