من "العنتريات" إلى التبرير.. خطاب عبدالملك الحوثي المأزوم يعكس ارتباك "حسابات الحقل والبيدر"
في ظهور عكس حجم الضغوط الجيوسياسية الراهنة، أثار الخطاب الأخير لزعيم المليشيا، عبدالملك الحوثي، موجة واسعة من القراءات النقدية التي رأت فيه "انكفاءً خطابياً" لافتاً. فبينما كان اليمنيون ينتظرون إجابات على أزماتهم المعيشية الطاحنة، جاء الخطاب غارقاً في الانفصال عن الواقع، ومثقلاً برسائل التبرير وإعادة التموضع تجاه القوى الإقليمية والدولية.
أولاً: لغة التراجع.. حين يغيب "الوعيد" ويحضر "الحذر"
رصد محللون تحولاً جذرياً في "تون" الخطاب الحوثي؛ فبعد سنوات من التهديدات العابرة للحدود والوعيد بتوسيع دائرة الصراع، خفتت حدة النبرة الهجومية لتحل محلها لغة دفاعية حذرة. هذا التراجع لا يُفسر إلا بكونه انعكاساً لواقع ميداني معقد، وجدت فيه الجماعة نفسها "مكبّلة" بتوازنات إقليمية حساسة، حيث لم تعد الكلفة السياسية والعسكرية للمغامرات غير المحسوبة قابلة للاحتواء.
ثانياً: "وحدة الساحات" مقابل "تفكك الداخل"
بدلاً من تقديم حلول للانهيار الاقتصادي والخدمي في مناطق سيطرته، اختار الحوثي الهروب إلى الأمام عبر تدوير أدبيات "وحدة الساحات" والتمحور حول الأجندة الإيرانية.
• الفجوة بين الشعار والتنفيذ: الخطاب الذي خلا من أي خطوات عملية مكتفياً بـ"الإدانات البروتوكولية"، كشف عن اتساع الهوة بين القدرة الفعلية على التأثير وبين الشعارات الضخمة التي تُسوق للقواعد الشعبية.
• الارتهان للخارج: التركيز المبالغ فيه على تضخيم القوة الإيرانية عكس بوضوح دور الجماعة كوظيفة ضمن استراتيجية طهران، متجاهلاً معاناة الداخل المنهك.
ثالثاً: "فوبيا" التصعيد في البحر الأحمر
تؤكد القراءة المتأنية للخطاب أن حساسية ملف الممرات البحرية باتت "حجر العثرة" أمام اندفاع الجماعة. فقد أدرك الحوثي أن اللعب في مياه البحر الأحمر لم يعد مجرد "ورقة ضغط" محلية، بل بات تهديداً لمصالح دولية كبرى قد تقود إلى ردود أفعال تنهي قدرة الجماعة على المناورة، وهو ما أجبره على استبدال "خطاب المبادرة" بـ"خطاب إدارة المخاطر".
رابعاً: استهلاك الأدوات الدعائية.. هل سقط القناع؟
رغم استمرار توظيف الرمزية الدينية وشيطنة الخصوم لتعبئة القواعد، إلا أن هذا النمط الدعائي بدأ يفقد فاعليته لسببين:
1. اتساع الفجوة المعيشية: لم تعد الوعود الغيبية قادرة على ملء بطون اليمنيين الجوعى في مناطق القبضة الحوثية.
2. ارتباك القواعد: تراجع نبرة التصعيد خلقت حالة من "التشكيك" داخل الحاضنة المؤيدة حول جدوى التضحيات السابقة إذا كانت النتيجة هي "الصمت الحذر" في لحظات الذروة الإقليمية.
الخلاصة: مأزق "السير على الحبال المشدودة"
يكشف الخطاب الأخير أن جماعة الحوثي تعيش أسوأ مراحل "ارتباك الأولويات"؛ فهي تحاول الحفاظ على صورتها كقوة هجومية أمام أنصارها، بينما تهمس بلغة التهدئة والتبرير أمام القوى الدولية لتجنب السحق العسكري.
لقد انتقل الحوثي من مرحلة "فرض الشروط" إلى مرحلة "البحث عن مخارج"، ليظل المواطن اليمني هو الغائب الأكبر عن هذا الخطاب، والضحية الأولى لسياسة "تصدير الأوهام" التي تنتهجها الجماعة في زمن الانكسار.

