العاصمة عدن في مرمى "خلايا الفوضى": عودة الاغتيالات مخطط استراتيجي لضرب الاستقرار وتقويض "العدالة المعطلة"
عدن | تقرير خاص
تعود العاصمة المؤقتة عدن لتتصدر واجهة المشهد الأمني، ليس كساحة للصراع العسكري المباشر، بل كهدف لعمليات "إرهاب نوعي" تسعى لإعادة إنتاج الفوضى عبر بوابة الاغتيالات السياسية والاجتماعية. هذا التصعيد الممنهج لا يمثل مجرد خروقات أمنية عابرة، بل يندرج ضمن مخطط استراتيجي أوسع يستهدف ضرب البنية المجتمعية وإرباك مراكز النفوذ، في محاولة لتقويض حالة الاستقرار النسبي التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة.
أولاً: تفكيك "خلايا الموت".. يقظة أمنية في مواجهة مخططات الظلام
في تطور أمني لافت، نجحت الأجهزة الأمنية في عدن في تفكيك خلية إرهابية كانت بصدد تنفيذ سلسلة عمليات استهداف دموية تطال شخصيات اجتماعية ودينية بارزة. وأكدت المصادر الأمنية أن العملية جاءت نتيجة تتبع استخباراتي دقيق، كشف عن ترابط وثيق بين هذه الخلية وعدة حوادث إجرامية شهدتها المدينة مؤخراً.
ويرى مراقبون أن إحباط هذا المخطط يمثل "ضربة استباقية" منعت انزلاق المدينة نحو دوامة عنف جديدة، إلا أنه كشف في الوقت ذاته عن حجم الاختراقات والشبكات التي لا تزال تتربص بأمن المدينة، وتنتظر لحظات التراخي لضرب السلم المجتمعي.
ثانياً: اغتيال "الشاعر".. رسائل دموية لضرب النخبة المدنية
أعادت جريمة اغتيال رجل الأعمال والقيادي في حزب الإصلاح، عبدالرحمن الشاعر (رئيس مجلس إدارة مدارس النورس)، في مديرية المنصورة، الأذهان إلى الحقبة المظلمة التي تلت تحرير المدينة. فاختيار شخصية تجمع بين الثقل التربوي، الاقتصادي، والسياسي، يعكس محاولة واضحة لإحداث "صدمة مجتمعية" وتعطيل مسار تطبيع الحياة العامة.
وقد وصفت السلطة المحلية هذا الاستهداف بأنه "محاولة يائسة" لضرب الكوادر الوطنية وتعطيل العملية التعليمية، معتبرة إياه هجوماً مباشراً على مستقبل المدينة ومدنيتها.
ثالثاً: "العدالة المتعثرة" وبيئة الإفلات من العقاب
في سياق التحليل السياسي، ربط التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية بين عودة هذه الجرائم وبين البطء القاتل في الإجراءات القضائية. وتكشف البيانات المروعة عن حجم "الجرح النازف" في ملف الاغتيالات:
• إحصائيات الصدمة: وثقت "رابطة أسر ضحايا الاغتيالات" أكثر من 480 حالة اغتيال منذ عام 2015، تركزت نصفها تقريباً (250 حالة) في مثلث (عدن، لحج، أبين).
• شلل المسار القانوني: من بين مئات الجرائم، لا تزال هناك 28 قضية فقط منظورة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، وهو ما يعزز ثقافة "الإفلات من العقاب" ويغري القتلة والممولين بتكرار جرائمهم.
رابعاً: جذور الأزمة وصراع النفوذ
تعود جذور هذه "المأساة المستمرة" إلى لحظة اغتيال اللواء جعفر محمد سعد، أول محافظ لعدن بعد التحرير، وهي اللحظة التي فتحت الباب لمسلسل استهداف طال العشرات من أئمة المساجد، القادة العسكريين، والناشطين.
ويحلل خبراء أمنيون توقيت العودة الراهنة للاغتيالات بأنه مرتبط بـ:
1. إفشال جهود الحكومة: محاولة عرقلة تحسين الخدمات وتطبيع الأوضاع المعيشية عبر خلق بيئة غير آمنة.
2. صراع الأجندات: استخدام الاغتيال كأداة "تصفية حسابات" سياسية لخلخلة موازين القوى داخل العاصمة.
3. إضعاف النسيج الاجتماعي: استهداف الشخصيات التي تمثل حلقة وصل بين المجتمع والدولة لتعميق الفجوة وزرع 불مان الثقة.
خامساً: عدن أمام الاختبار الصعب
تقف عدن اليوم أمام مفترق طرق؛ فالنجاح الأمني في ضبط الخلايا يظل ناقصاً ما لم يُتوج بـ "عدالة ناجزة" تكشف عن الجهات المخططة والممولة لهذه العمليات. إن الانتقال من "اليقظة الدفاعية" إلى "الحسم القضائي" هو السبيل الوحيد لكسر هذه الدائرة المفرغة.
الخلاصة: إن عودة شبح الاغتيالات إلى شوارع عدن يستوجب استراتيجية أمنية-قضائية متكاملة، تتجاوز القبض على "الأدوات" لتصل إلى "الرؤوس" المدبرة، محذرة من أن أي تهاون في حسم ملفات القضايا العالقة سيعطي الضوء الأخضر للمخططات الإرهابية لإغراق العاصمة في فوضى لا تحمد عقباها.

