من رمال مأرب إلى "شتندال" الألمانية | بصمة "سبأ" في متاحف أوروبا: لغز "القلادة الذهبية" المهربة يفتح جرح الآثار اليمنية النازف
خاص | تقرير استقصائي*
بينما تغرق حضارة اليمن تحت غبار الحرب والإهمال، تطل "أميرة سبئية" من خلف زجاج المتاحف الألمانية لتذكر العالم بمجدٍ ضائع؛ قلادة ذهبية نادرة، تجسد قمة الترف الفني لممالك جنوب الجزيرة العربية، تظهر اليوم كشاهد إثبات على رحلة شاقة من التهريب والاستحواذ، بدأت من رمال مأرب وانتهت في خزائن الدبلوماسيين الأوروبيين.
أيقونة ذهبية من عصر المجد
كشف الباحث اليمني المتخصص في تتبع الآثار، عبدالله محسن، عن تفاصيل "الكنز المفقود"، وهي قلادة ذهبية فريدة تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد (قبل نحو 2600 عام). القطعة ليست مجرد حليّ، بل هي تمثال أنثوي مجنح بالغ الدقة، يجسد "كائناً ميثولوجياً" يعكس الفلسفة الدينية والفنية لمملكة سبأ في أوج ازدهارها.
رغم صغر حجمها الذي لا يتعدى سنتيمترات معدودة، إلا أنها تُعد "معجزة تقنية"؛ حيث كشفت الفحوصات المخبرية في المعاهد الألمانية عن استخدام الصانع اليمني القديم لتقنية "التحبيب الذهبي" (Granulation)، وهي عملية معقدة تتضمن لحام حبيبات ذهبية مجهرية لتشكيل أنماط حلقية بدقة متناهية، وهو أسلوب يثبت أن اليمنيين سبقوا عصرهم في صياغة المعادن الثمينة.
من رمال مأرب إلى "شتندال" الألمانية
تثير كواليس ظهور هذه القطعة تساؤلات حارقة حول كيفية خروجها من اليمن. القلادة كانت ضمن المقتنيات الخاصة للدبلوماسي والمؤرخ الألماني الراحل فيرنر داوم، الذي شغل مناصب دبلوماسية في اليمن والمنطقة.
محطات في رحلة القلادة:
• الاكتشاف: يُرجح العثور عليها في ستينيات القرن الماضي بمحافظة مأرب.
• التوثيق: نشر "داوم" أول دراسة علمية عنها مطلع الألفية، لتكتسب شرعية أكاديمية في أوروبا قبل أن تظهر فعلياً للعلن.
• العرض المتحفي: استقرت القطعة مؤخراً في متحف فينكلمان بمدينة شتندال، لتصبح جزءاً من "مجموعة داوم" التي تضم عشرات القطع اليمنية المنهوبة أو المقتناة بطرق غامضة.
فلسفة التآكل: التاريخ الذي لمسه الأجداد
يؤكد الباحثون أن القلادة تحمل قصة "استخدام" بشرية مذهلة؛ فبينما تبدو تفاصيل الأجنحة من الخلف محتفظة بحدتها وزخارفها، تظهر الواجهة الأمامية متآكلة جزئياً. هذا التآكل ليس عيباً فنياً، بل هو دليل تاريخي على "اللمس المتكرر" عبر القرون، مما يشير إلى أن القلادة كانت تُرتدى كتميمة مقدسة أو رمزاً للمكانة الاجتماعية الرفيعة، وتناقلتها الأيدي عبر الأجيال قبل أن تُدفن وتُسرق لاحقاً.
صرخة لاستعادة الهوية
يأتي الكشف عن هذه القلادة ليضع الحكومة اليمنية والمنظمات الدولية أمام مسؤولياتها. فخروج قطعة بهذه الأهمية، خضعت لتوثيق وتجارب مخبرية دقيقة في ألمانيا، يثبت أن عمليات التهريب لم تكن عشوائية، بل كانت ممنهجة وتستهدف أندر القطع وأكثرها قيمة.
اليوم، يقف اليمن أمام مفترق طرق: فإما التحرك لاستعادة هذه الكنوز عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية الدولية، أو الرضا بدور "المتفرج" بينما تُبنى هوية متاحف العالم من قطع مسروقة من تاريخه.
"إن ظهور هذه القلادة في قلب ألمانيا ليس مجرد خبر ثقافي، بل هو بلاغ جنائي دولي يتطلب استنفاراً رسمياً لاسترداد ذاكرة اليمن المنهوبة."
*تحرير: فريق المتابعة الإخبارية

