الحوبان بقرة الجبايات الحلوب وخلاطات الأسمنت تبني جدار الفصل العنصري| تعز تعود إلى نفق الحصار: مليشيا الحوثي تُغلق المنفذ الشرقي وتُحوّله إلى خط دفاعي وخنادق مسلحة
تعز | خاص
في انتكاسة إنسانية جديدة تنسف التفاهمات الهشة، أعادت مليشيا الحوثي الإرهابية إغلاق المنفذ الشرقي لمدينة تعز بشكل كامل اليوم الاثنين، حاظرةً تنقل المسافرين والمواطنين، لتُنهي بذلك كسر الحصار الجزئي الذي انتزعته الضغوط الدولية والشعبية قبل نحو عامين، وتدفع بالمدينة مجدداً إلى مربع العزلة الخانقة.
خلاطات الأسمنت تبني جدار الفصل العنصري
وأكدت مصادر محلية وشهود عيان أن قرار الإغلاق الحوثي المفاجئ جاء تزامناً مع نشر الجماعة لآليات عسكرية وخلاطات أسمنت ضخمة في حرم المنفذ؛ حيث باشرت هندسة المليشيا تشييد تحصينات خرسانية، وصب أنفاق وخنادق قتالية مستحدثة في محيط المعبر، مما أدى إلى شلل تام في حركة السير واحتجاز مئات الأسر والمسافرين في العراء تحت أشعة الشمس الحارقة.
ويأتي هذا التصعيد ليوجه رصاصة الرحمة إلى الشريان المدني الوحيد الذي يربط مدينة تعز بمنطقة الحوبان، والذي أُعيد فتحه جزئياً في 13 يونيو 2024 لمرور المركبات الخفيفة لمدة 12 ساعة يومياً فقط، بعد تسع سنوات من الحصار المطبق الذي بدأته المليشيا مطلع عام 2015، جاعلةً مسافة الـ 15 دقيقة رحلة موت وعرة عبر الجبال تستغرق 6 ساعات كاملة.
صفع المبادرات الحكومية والجهود الأممية
ويمثل الإغلاق الكامل اليوم إعلان تمرد حوثي صريح على كافة التفاهمات؛ إذ جاء الإجراء بعد سلسلة من المبادرات والتنازلات التي قدمتها سلطات تعز المحلية التابعة للحكومة الشرعية؛ حيث أعلنت الحكومة في فبراير ومارس الماضيين استعدادها الكامل لفتح المنفذ على مدار 24 ساعة لتسهيل حركة المواطنين وتخفيف الاختناقات المرورية الخانقة، وهو ما قوبل بالرفض والتعنت الحوثي، وصولاً إلى الإغلاق التام وتحويل المعبر الإنساني إلى ثكنة عسكرية.
الحوثيون وتعز.. استراتيجية الحصار الدائم والأوراق المتجددة
لا يمكن قراءة إغلاق المنفذ الشرقي بوصفه حدثاً عابراً أو إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل هو تجسيد لنهج حوثي ثابت يتعامل مع دماء ومعاناة سكان تعز كأوراق ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية يتم تدويرها والتلعب بها وفقاً لمقتضيات اللحظة.
1. العسكرة والتوظيف الاستراتيجي
يكشف تحويل محيط المنفذ إلى ورشة لبناء الأنفاق والتحصينات عن عقيدة المليشيا الاستراتيجية؛ فهي لا ترى في المعابر الإنسانية المشمولة بالقوانين الدولية والاتفاقيات (بدءاً من اتفاق وقف إطلاق النار عام 2015 مروراً باتفاق ستوكهولم 2018 وهدنة 2022) سوى جبهات قتال مؤجلة، ومواقع حاكمة يجب تحصينها هندسياً على حساب الحق الأساسي في التنقل.
2. الحوبان.. بقرة الجبايات الحلوب
إلى جانب الأبعاد العسكرية، يبرز البعد الاقتصادي كأحد أهم محركات الإبقاء على حصار تعز؛ إذ تمثل منطقة "الحوبان" الصناعية (شمال شرق المدينة) الخاضعة للحوثيين الدجاجة التي تبيض ذهباً لخزينة المليشيا في صنعاء. فمن خلال عزل الحوبان عن المدينة، تضمن الجماعة السيطرة المطلقة على كبرى الشركات والمصانع التجارية، وتنفرد بنهب مئات الملايين من الريالات يومياً عبر الإيرادات الضريبية والجمركية والجبايات القسرية، مستخدمةً الحصار لمنع أي ارتداد اقتصادي إيجابي نحو مناطق الشرعية.
تساؤلات حول جدوى التفاوض
تضع هذه الجريمة المتجددة مسار التفاوض الأممي بين الحكومة والمليشيا على المحك، وتُعرّي غياب أي آليات إلزامية دولية قادرة على كبح الجماعة؛ ففي الوقت الذي تبدي فيه الحكومة مرونة لفتح الممرات، يعود الحوثيون في كل مرة لغلق الأبواب بذرائع شتى، لتظل النتيجة واحدة: المليشيا تتاجر بالحصار، والمواطن اليمني العالق على جنبات المنفذ المغلق هو الضحية الوحيدة التي تدفع الثمن.

