بإغراءات المال والجنسية | تقرير بريطانى يكشف : محرقة أوراسيا.. كيف تحوّل يأس اليمنيين إلى "وقود بشري" في الحرب الروسية الأوكرانية؟
لندن | في كشف استقصائي يزيح الستار عن امتداد شظايا الصراعات الدولية إلى الجغرافيا اليمنية المنهكة، سلّط تقرير حديث نشره موقع "ميدل إيست آي" (Middle East Eye) البريطاني، الضوء على شبكات منظمة ومحترفة تنشط في استدراج وتجنيد الشباب اليمني للدفع بهم كمرتزقة في خطوط النار الأمامية بجبهات القتال الروسية ضد أوكرانيا.
وتعكس هذه الظاهرة المتصاعدة تحولاً خطيراً في توظيف المأساة الإنسانية والاقتصادية الخانقة التي يعيشها اليمن، وتحويل جيل من شبابه العاطلين عن العمل إلى "وقود بشري" في حرب إقليمية ودولية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مدفوعين بوعود برّاقة بالإثراء السريع وبلوغ "الحلم الروسي".
هندسة الخداع: فخ الجوازات وعقود بلغة لا يفهمونها
يكشف التقرير البريطاني عن آليات معقدة وممنهجة تتبعها شبكات التجنيد العابرة للحدود؛ حيث يبدأ الاستدراج تحت غطاء عقود عمل مدنية أو أمنية في شركات حراسة خاصة داخل روسيا. وبمجرد وصول الضحايا إلى الأراضي الروسية، تتغير قواعد اللعبة بشكل دراماتيكي:
1. مصادرة الهويات: تُسحب جوازات سفر الشباب ووثائقهم الرسمية فور وصولهم لعزلهم عن العالم الخارجي.
2. عقود الإذعان: يُجبر المجندون على توقيع عقود عسكرية مكتوبة باللغة الروسية دون وجود تراجم قانونية تتيح لهم فهم محتواها، ليجدوا أنفسهم بين عشية وضُحاها "مقاتلين نظاميين" في صفوف الجيش الروسي.
3. أرقام خيالية مقابل الموت: تلوّح الشبكات بإغراءات مالية يسيل لها لعاب الغارقين في الفقر؛ تشمل مكافأة توقيع (مقدم) تصل إلى 15 ألف دولار، تليها رواتب شهرية تناهز 5 آلاف دولار، فضلاً عن الوعد الأكبر: الحصول الفوري على الجنسية الروسية للمقاتل وعائلته.
تخوم اليأس: في بلد يعاني من انهيار تاريخي للعملة المحلية وتوقف كامل للمرتبات، تمثل هذه المبالغ ثروة خيالية تدفع الشباب إلى تفضيل احتمالية الموت تحت القصف الجوي في جبهات "كورسك" أو "دونباس" على الموت البطيء جوعاً في أزقة المدن اليمنية.
الممر اللوجستي وظلال الحوثيين
وفي بعدٍ أكثر خطورة، يتتبع التقرير المسار الجغرافي واللوجستي لعمليات التهريب والتجنيد؛ حيث يشير إلى أن خط سير الرحلات يمر غالباً عبر سلطنة عمان كمنطقة ترانزيت قبل الإقلاع نحو موسكو، مما يؤكد وجود شبكات سماسرة منسقة تمتلك نفوذاً واسعاً وتسهيلات غير اعتيادية لتخليص المعاملات والسفر.
وتتطابق التقديرات على أن هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن المشهد السياسي اليمني؛ إذ تشير أصابع الاتهام والترجيحات إلى ارتباط وثيق بين بعض هؤلاء الوسطاء ورجال أعمال مقربين من جماعة الحوثي في صنعاء. ويفتح هذا الربط الباب أمام تساؤلات جيوسياسية كبرى حول ما إذا كانت هذه العمليات تجري بـ "تغاضٍ متعمد" أو تنسيق غير معلن يخدم التقارب الاستراتيجي المتنامي بين موسكو ومحور صنعاء-طهران لمكايدة المعسكر الغربي.
استراتيجية موسكو: سد العجز البشري بالفقراء
تأتي هذه الاندفاعة الروسية لاستقطاب المقاتلين اليمنيين والأجانب (من دول تعاني نزاعات مسلحة أو أزمات اقتصادية طاحنة) كجزء من استراتيجية عسكرية أوسع تنتهجها الكرملين لتعويض الخسائر البشرية الهائلة في حرب استنزاف تقترب من دخول عامها الخامس.
وتسعى القيادة الروسية من خلال "تأجير" البنادق الأجنبية إلى تفادي الاضطرار لإعلان موجات تعبئة عامة جديدة في الداخل الروسي، وهي خطوة تدرك موسكو تكلفتها السياسية والاجتماعية الباهظة على استقرار النظام داخلياً، مفضلةً الاستعاضة عنها بـ "متعاقدين" من ضحايا الأزمات الدولية.
مأساة صامتة ودعوات للتحرك
بينما تنتهي هذه الرحلات بكثير من الشباب اليمني كجثث مجهولة الهوية في صقيع أوكرانيا، تعيش عشرات العائلات في اليمن مأساة صامتة بعد انقطاع السبل والاتصالات مع أبنائها الذين تبخرت وعود ثرائهم وجنسياتهم بمجرد زجهم في خطوط النار الأولى واستخدامهم في عمليات اقتحام انتحارية.
ويخلص التقرير إلى أن ظاهرة "مرتزقة اليأس" تتجاوز كونها مجرد نشاط جرمي لعصابات تهريب بشر، بل هي مؤشر صارخ على مدى تداخل الأزمات المحلية المنسية مع الصراعات الدولية الكبرى. ويضع هذا الملف المجتمع الدولي والحكومة اليمنية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة لتفكيك شبكات السماسرة، وتحصين الشباب اقتصادياً عبر بدائل حقيقية تنتشلهم من مستنقع استغلال القوى الدولية.

