من مضيق باب المندب إلى جزيرة زُقر.. ما وراء هندسة التشكيل البحري اليمني الجديد بالبحر الأحمر؟
تقرير تحليلي خاص
أعاد إعلان الحكومة اليمنية الشرعية عن إطلاق تشكيل بحري عسكري جديد، تسليط الأضواء على خارطة التحولات الميدانية والأمنية المتسارعة في واحد من أكثر الممرات المائية حساسية واستراتيجية على مستوى العالم. وتأتي هذه الخطوة النوعية في غمرة تصاعد حدة التوترات الإقليمية والدولية، وتنامي التهديدات غير المسبوقة التي تواجهها خطوط الملاحة العالمية وإمدادات الطاقة.
وكان عضو مجلس القيادة الرئاسي، العميد ركن طارق محمد صالح، قد دشن رسمياً دخول حزمة من الزوارق الحربية الحديثة والمطورة إلى الخدمة، بالتزامن مع إطلاق نَفَس جديد للقوات البحرية عبر تشكيل عسكري يمتد مسرح عملياته العملياتي من مضيق باب المندب الاستراتيجي، وصولاً إلى جزيرة "زُقر" الحيوية، مروراً بكافة السواحل الغربية المطلة على البحر الأحمر في محافظتي تعز والحديدة.
أولاً: كبح مسارات التهريب وحماية المياه الإقليمية
يأتي هذا التحرك العسكري في توقيت بالغ التعقيد؛ حيث يشهد حوض البحر الأحمر عسكرة متزايدة جراء القرصنة والهجمات الصاروخية الحوثية المستمرة ضد السفن التجارية والقطع العسكرية، بالتوازي مع ازدهار شبكات الجريمة المنظمة وتهريب الأسلحة الإيرانية.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث الرسمي باسم المقاومة الوطنية، العميد صادق دويد، أن التشكيل البحري الجديد يمثل امتداداً طبيعياً وترجمة عملية للنجاحات الميدانية المتراكمة التي حققتها القوات البحرية على مدار السنوات الماضية. وأوضح دويد أن:
"رفد القوات البحرية بهذا التشكيل الجديد يعيد الاعتبار لحضور الدولة اليمنية على المستويين الإقليمي والدولي، ويسهم بشكل مباشر في تجفيف منابع الإمداد الميليشاوي، وتقليص فرص تهريب الأسلحة والممنوعات إلى جماعة الحوثي الإرهابية".
ثانياً: المهام العملياتية.. نواة صلبة لقوة بحرية ضاربة
من الناحية العسكرية الفنية، يرى الخبير في الشؤون العسكرية وتكنولوجيا النقل البحري، الدكتور علي الذهب، أن هذا التشكيل لا يعد مجرد إضافة عددية، بل هو "النواة الصلبة لقوة بحرية يمنية أوسع" يجري صياغتها وإعادة ترتيبها تحت مظلة وزارة الدفاع، لتعمل جنباً إلى جنب وبتنسيق متوازٍ مع قوات خفر السواحل لتأمين السيادة الوطنية.
وأوضح الذهب في تحليل خاص أن القوة الجديدة تتميز بمرونة عالية تدمج بين المهام القتالية الهجومية والمهام الأمنية الدفاعية، وتتلخص أبعادها في:
• تأمين النطاق السيادي: فرض السيطرة الأمنية المطلقة على المياه الإقليمية التي تمتد لـ 12 ميلاً بحرياً قبالة السواحل اليمنية المحررة.
• إعادة التموضع والانتشار: تعكس الخطوة ترتيبات جديدة ومدروسة لإعادة توزيع المهام بين القوات البرية والبحرية بما يتلاءم مع طبيعة التهديد الحوثي المتغير.
• تخطي الحدود الإقليمية: إمكانية الاستفادة من هذه القوة مستقبلاً في تنفيذ مهام أمنية استباقية تتجاوز الحدود البحرية التقليدية لتصل إلى المياه المتاخمة وأعالي البحار.
ومع ذلك، رهَنَ الخبير العسكري نجاح القوة في بتر أذرع القرصنة المنظمة وحروب المسيرات بالبحر الأحمر، بمدى الاستمرار في رفدها بقطع بحرية تخصصية ضخمة قادرة على المناورة الطويلة ومجابهة سيناريوهات الحرب الهجينة والحرجة.
ثالثاً: الرسائل الجيوسياسية.. انتزاع المبادرة من مخالب الوكلاء
يتجاوز الإعلان عن هذا التشكيل البحري غاياته التكتيكية المباشرة، ليحمل حزمة من الرسائل السياسية والعسكرية متعددة الاتجاهات، تستهدف إعادة تثبيت الشرعية اليمنية كلاعب أصيل وحليف موثوق في معادلة أمن واستقرار البحر الأحمر.
وفي هذا الصدد، يشير الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، عاصم المجاهد، إلى أن اختبار النجاح الحقيقي للتشكيل البحري الجديد لن يتوقف عند حدود القدرات التسليحية أو قوام القوة فحسب، بل يرتكز بالأساس على مستوى التكامل الثلاثي بين:
1. الجاهزية القتالية للقطع البحرية.
2. شبكات الاستخبارات والاستطلاع البحري ومكافحة التجسس.
3. التنسيق اللوجستي والدعم الفني والدولي مع الحلفاء الإقليميين والدوليين.
خلاصة:
يضع الإعلان عن هذا التشكيل البحري الممتد من باب المندب إلى زُقر، المجتمع الدولي أمام حقيقة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها؛ ومفادها أن الحل الجذري والوحيد لتأمين الملاحة الدولية لا يكمن في البوارج الأجنبية والتحالفات المؤقتة في عرض البحر، بل في تمكين ودعم القوات المسلحة اليمنية الشرعية، لكونها الطرف الوحيد القادر على تثبيت الأمن المستدام على الأرض وفي المياه الإقليمية، وإعادة التوازن المفقود إلى هذه المنطقة الحيوية من العالم.

