صرخة من القاع المنسي.. اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات دولياً وسط تواطؤ الصمت وتقليص التمويل الإنساني
متابعات خاصة: في واحدة من أعتى المآسي الإنسانية التي يشهدها الكوكب، يواصل اليمن انحداره المخيف نحو قاع المعاناة المنسية. وبحسب آخر التحديثات الجيوسياسية والإنسانية، فإن نحو 22 مليون يمني—من أصل 35 مليون نسمة—باتوا يقتاتون على المساعدات الإغاثية للبقاء على قيد الحياة.
وفي هذا المشهد الطاحن، تدفع النساء والفتيات الثمن الأكبر؛ إذ يشكلن نصف كتلة الاحتياج البشري الكلية، بينما يقع ثلثاهن في سن الإنجاب، ليتحول اليمن رسمياً إلى البيئة الأخطر عربياً ودولياً على حياة الأمهات الحوامل.
وفي حوار استثنائي بثه موقع "أخبار الأمم المتحدة"، أطلق ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، فرانشيسكو غالتييري، تحذيرات بالغة القتامة، واصفاً الوضع هناك بأنه "أزمة طواها النسيان الدولي". وأكد غالتييري أن انعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية الحاد لم يعودا مجرد أزمة جوع، بل تحولا إلى مقصلة بيولوجية تفتك بأجساد الحوامل وتصيب الأجنة بتشوهات ونمو قاصر يمتد أثره مدى الحياة.
أرقام صادمة من واقع النزيف اليومي
يعكس الواقع الميداني في الأرياف والمناطق النائية باليمن مجزرة صحية صامتة ترتكب بحق الأمهات يومياً، وتلخصها البيانات التالية:
• 65,000 امرأة حامل في المناطق المعزولة يواجهن خطراً داهماً لغياب الرعاية الطبية أثناء الحمل أو اللحظات الحرجة للولادة.
• 3 نساء يمتن يومياً في اليمن نتيجة مضاعفات الحمل أو النزيف الحاد أثناء الولادة.
• 67% من هذه الوفيات يمكن إنقاذ أصحابها فوراً وإبقاؤهن على قيد الحياة في حال توفرت "قابلة مجتمعية" أو طبيب مؤهل في محيط السكن.
العنف الموازي.. جسد المرأة كساحة حرب ثانية
لا تتوقف التحديات عند حدود الجوع والنزيف الطبي، بل تمتد إلى عمق الكرامة والحماية الجسدية. إذ يشير "غالتييري" إلى أن الضغوط النفسية والاجتماعية الناجمة عن الحرب الطويلة والانهيار الاقتصادي، تنعكس بصورة وحشية كعنف موجه ضد النساء والفتيات داخل المنازل والمجتمعات المعزولة، في ظل بيئة قانونية وقضائية مشلولة.
وفي محاولة لترميم هذا الشرخ، يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتنسيق مع منظمات نسوية محلية—وعلى رأسها "اتحاد نساء اليمن"—ووزارة الشؤون الاجتماعية، على خلق ملاذات آمنة، وتقديم الدعم النفسي والقانوني، وتدشين مساحات للتمكين الاقتصادي لمساعدة الناجيات من العنف على التعافي وإعادة بناء حياتهن من الصفر.
وفي هذا الصدد، استعرض المسؤول الأممي قصة نجاح ملهمة لامرأة يمنية نجت من العنف والاضطهاد، واستطاعت عبر برامج الإدماج الاقتصادي التابعة للصندوق تحويل مأساتها الشخصية إلى مشروع حماية مجتمعي؛ حيث أسست أول شركة أمنية بطاقم نسائي بالكامل في اليمن، لحراسة وحماية النساء والفتيات في الأسواق، والأحياء السكنية، ومقار العمل، كعامل ردع وحماية نبع من تجربتها القاسية.
مقصلة المانحين.. "هي ليست مجرد سطر في الميزانية"
الخطر الأكبر الذي يهدد هذه الشريحة اليوم لا يأتي من جبهات القتال فحسب، بل من صالونات السياسة الدولية؛ حيث يواجه صندوق الأمم المتحدة للسكان عجزاً تمويلياً كارثياً أدى إلى تعليق خدماته المنقذة للحياة، وفق المحاور التالية:
ولمواجهة هذا التبلد الدولي، أطلق الصندوق حملة مناشدة عالمية تحت شعار "هي ليست مجرد سطر في الميزانية"، في رسالة تذكيرية صارخة للمجتمع الدولي بأن شطب بضعة آلاف من الدولارات من ميزانيات الإغاثة يعني عملياً التوقيع على شهادة وفاة امرأة يمنية تنزف في قريتها دون مسعف.
مفارقة دولية.. السلاح أولاً وصحة الأمهات أخيراً
وفي ختام زيارته إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات مجلس الأمناء التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان، أبدى غالتييري دهشته وإحباطه العميق من ترتيب الأولويات العالمي في زمن الصراعات، موجهاً تساؤلاً أخلاقياً لاذعاً لصناع القرار في العالم:
"كيف تتحول معاناة النساء إلى مجرد مشهد هامشي في الأزمات، رغم أن البشرية جمعاء ولدت من رحم امرأة؟ إن الاستثمار في إنقاذ أمهات اليمن وقابلاته لا ينبغي أن يكون محل نقاش أو موازنات، ولكن المفارقة غير المنطقية والبلادة الأخلاقية تكمن في أن قرارات الدول الكبرى تفضل دائماً ضخ المليارات لتمويل صفقات الأسلحة والموت، على حساب صحة الأمهات والحق في الحياة".

