في اليمن | مليارات رقمية في الخفاء وملايين تحت خط الفقر.. (تيثر) و(ترون) سلاح الحوثي الخفي لتمويل حرب لا تنتهي
تقرير خاص : في الوقت الذي تصنف فيه الأمم المتحدة الأزمة اليمنية كواحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، حيث يرزح ملايين المواطنين تحت وطأة مجاعة صامتة وفقر مدقع وانقطاع تام للرواتب، تشيّد ميليشيا الحوثي في الخفاء إمبراطورية مالية رقمية عابرة للحدود.
تكشف تقارير أممية حديثة وبيانات مستقاة من تتبع سلاسل الكتل (Blockchain) عن تحول جذري في استراتيجية التمويل الحوثية؛ فبدلاً من الاعتماد الكلي على القنوات التقليدية، نجحت الجماعة في بناء منظومة مالية مشفرة ومعقدة، تُستخدم لتهريب مئات ملايين الدولارات بعيداً عن رادارات الرقابة الدولية، لتمويل آلتها العسكرية وتسمين ثروات قياداتها.
غطاء أممي: العقوبات لم تعد تكفي
أكد تقرير حديث صادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، أن الحصار المالي والعقوبات الدولية المفروضة على الجماعة لم تحقق الأثر المرجو منها للحد من قدراتها العسكرية. ويعود ذلك إلى المرونة العالية التي أبدتها الميليشيا في الالتفاف على النظام المصرفي التقليدي، من خلال تطوير شبكات تهريب متطورة واستغلال سيطرتها المطلقة على قطاع الاتصالات السيادي، والذي حوّلته من خدمه عامة إلى "دجاجة تبيض ذهباً" لتمويل أنشطتها غير المشروعة.
الملاذ الرقمي: "تيثر" و"ترون" في خدمة اقتصاد الحرب
وفقاً لخبراء ومحللين في الأمن الرقمي ومكافحة غسيل الأموال، فإن الميليشيا باتت تعتمد بشكل منهجي على العملة المستقرة "تيثر" (USDT) والمشغلة عبر شبكة "ترون" (TRON). ويمثل هذا الثنائي الخيار المفضّل للحوثيين لعدة أسباب:
• السرعة والسرية: القدرة على نقل ملايين الدولارات في ثوانٍ معدودة وبدون الكشف عن الهويات الحقيقية للمرسل والمستقبل.
• التكلفة المنخفضة: رسوم التحويل عبر شبكة "ترون" شبه معدومة مقارنة بالنظام المصرفي التقليدي.
• صعوبة التتبع: استخدام محافظ إلكترونية مؤقتة (Burner Wallets) ومنصات تداول غير مرخصة يعقد جهود أجهزة الاستخبارات المالية الدولية في تجميد هذه الأصول.
مفارقة تقنية: في الوقت الذي يعاني فيه المواطن اليمني من إنترنت هو الأبطأ والأغلى في المنطقة، وظّفت الميليشيا البنية التحتية لقطاع الاتصالات في صنعاء لخدمة عمليات التعدين وإدارة المحافظ الرقمية، مما تسبب في ضغط هائل على الشبكات وتراجع جودة الخدمة العامة للجمهور.
الجبايات الرقمية.. خصخصة موارد الدولة
ولم يقتصر الأمر على المعاملات الخارجية، بل امتدت الأدوات الرقمية لتشمل الداخل اليمني؛ حيث تشير التقارير إلى أن الجماعة فرضت على عدد من الشركات التجارية والخطوط الملاحية والوكلاء سداد الإتاوات والجبايات "غير القانونية" عبر محافظ رقمية محددة. هذه الآلية تضمن للميليشيا دمج الأموال المنهوبة محلياً وتحويلها إلى أصول مشفرة يمكن نقلها إلى الخارج أو استخدامها لشراء الأسلحة والمعدات دون أي أثر ورقي قد تتبعه البنوك المركزية.
مفارقة الموت والرفاه.. شعب يجوع ونخبة تثرى
يرى مراقبون اقتصاديون أن هذه المعطيات تكشف عن حجم الفجوة الصادمة والمفارقة الأخلاقية الساقطة في مناطق سيطرة الحوثيين؛ فبينما يتمترس قادة الجماعة خلف جدران "المليارات الرقمية" والسيولة المشفرة، يواجه ملايين اليمنيين انهياراً معيشياً شاملاً، وانعداماً تاماً للخدمات الطبية والتعليمية الأساسية.
لقد نجح الحوثيون في تحويل أدوات التكنولوجيا المالية الحديثة إلى "سلاح حرب" فعال، لتكريس نفوذهم وإطالة أمد الصراع، مستنزفين مقدرات الدولة ومستقبل الشعب اليمني، الذي بات وحده من يدفع الفاتورة الباهظة لهذه المغامرات المالية والسياسية.

