اليمن: تصعيد حوثي شامل يهدد السواحل والملاحة الدولية وقبائل الجوف تنتفض
تشهد الساحة اليمنية موجة تصعيد حوثي متسارعة وشاملة منذ مطلع يوليو الجاري، تمتد من جبهات القتال المباشرة مع القوات الحكومية، إلى مواجهات قبلية غير مسبوقة في مناطق سيطرة الجماعة، وصولاً إلى تهديدات مباشرة للمملكة العربية السعودية وحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر. يرى مراقبون أن هذا المشهد هو الأخطر منذ توقيع هدنة الأمم المتحدة عام 2022، مما يستدعي رفع الجاهزية القتالية للقوات اليمنية إلى أقصى درجاتها.
تصدرت جبهة الحديدة، وتحديداً محوري حيس جنوبي المحافظة، واجهة الأحداث بعد هجوم عسكري واسع شنته مليشيا الحوثي على مواقع القوات المشتركة، استخدمت فيه أسلحة متنوعة. ورغم استمرار المعركة لساعات، نجحت القوات الحكومية في صد الهجوم واستعادة المواقع التي فقدتها مؤقتاً. وقد أسفرت المواجهات عن استشهاد نحو 20 عسكرياً وإصابة العشرات، مع سقوط قتلى وجرحى في صفوف المهاجمين دون تحديد عددهم بدقة.
ويكتسب محور الحديدة أهمية مضاعفة كونه خط الدفاع الأول عن مدينة المخا والمندب، مما يجعله هدفاً متكرراً لمحاولات الحوثيين لاختراق الساحل الغربي. ولم تقتصر المواجهات على الحديدة، إذ شهدت جبهة حريب في مأرب هجوماً بطائرة مسيّرة حوثية استهدف موقعاً عسكرياً لقوات دفاع شبوة، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. كما أصيب عسكريان آخران في مديرية عين بهجوم مماثل، مما يشير إلى أن التصعيد لم يعد مقتصراً على محور واحد بل يشمل خطوط تماس متفرقة من الساحل الغربي إلى الجبهات الشرقية.
بالتوازي مع التصعيد العسكري، اندلع توتر بين الحوثيين وقبائل همدان في محافظة الجوف، احتجاجاً على تردي الخدمات وتعنت أحد القيادات الحوثية. دفعت المليشيا بحملة عسكرية لفض الاحتشاد، مما أدى إلى اشتباكات مسلحة خلفت قتلى وجرحى من الجانبين، واتهامات للحوثيين بتصفية جرحى من القبائل. وردت الجماعة بفرض حصار على مشائخ المحافظة وقطع خدمات الاتصالات، في محاولة لعزل القبائل ومنع اتساع رقعة ما يوصف بأنه بداية انتفاضة قبلية ضد سلطة الأمر الواقع، مما يمثل تحدياً داخلياً نوعياً للجماعة.
انتقل التوتر إلى مستوى أكثر حساسية عقب هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء الدولي، تقل أكثر من مئتي شخص من الخبراء الإيرانيين. وزعم الحوثيون أنهم استخدموا صواريخ دفاع جوي لإجبار مقاتلات سعودية على التراجع عن محاولة منع الهبوط، مهددين بالرد على المملكة. وصف مجلس القيادة الرئاسي اليمني الرحلة بأنها انتهاك صارخ لسيادة اليمن، فيما أصدر التحالف العربي بياناً شديد اللهجة توعد فيه بالرد بحزم على أي محاولة لاستهداف المملكة أو المساس بسيادة اليمن، محملاً الحوثيين مسؤولية التصعيد المستمر ضد الملاحة الدولية. كما جدد قياديون حوثيون تلويحهم بإغلاق مضيق باب المندب، مما يكتسب خطورة إضافية في ظل اعتماد السعودية على منفذها البحري لتصدير النفط.
في ضوء هذا التشابك، وجه رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة، الفريق صغير بن عزيز، برفع الجاهزية القتالية والاستعداد العملياتي إلى الدرجة القصوى في جميع الفروع والقطاعات والمحاور العسكرية. وشدد القادة العسكريون على التزام القوات المسلحة بالتصدي لأي تصعيد أو اعتداءات حوثية، مثمنين الدعم السعودي لتعزيز الاستقرار والأمن في اليمن.
يجمع مراقبون على أن اليمن يقف أمام معادلة معقدة تتقاطع فيها جبهات متزامنة: مواجهة عسكرية مع القوات الحكومية، وتصدع داخلي مع القبائل، وتصعيد إقليمي مع السعودية. ومع ذلك، تشير بعض التحليلات إلى استمرار قنوات التواصل بين الرياض والحوثيين، مما قد يفسر أن التصعيد الحالي أداة ضغط تفاوضي. لكن حجم الخسائر البشرية وتزامنها مع توتر حول السيادة الجوية والبحرية، يجعل خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع احتمالا لا يمكن استبعاده.

