تابعنا

شرعنة النافذين لنهب عقارات الدولة.. كيف تحولت أملاك الأوقاف والمنشآت العامة في إب إلى (غنائم) حوثية؟

شرعنة النافذين لنهب عقارات الدولة.. كيف تحولت أملاك الأوقاف والمنشآت العامة في إب إلى (غنائم) حوثية؟

إب — تقرير خاص

تواصل قيادات ونوافذ تابعة لجماعة الحوثي مساعيها الحثيثة لتكريس السيطرة على العقارات والأراضي العامة والمساحات الاستراتيجية في محافظة إب (وسط اليمن)، تحت غطاء "العقود الاستثمارية" وتأجير أصول الدولة؛ في خطوة واجهت رفضاً شعبياً وسياسياً واسعاً لمشروع استثماري خاص يتم تشييده على أرض معسكر الأمن المركزي السابق، وسط اتهامات متزايدة بـ "شرعنة النهب وتمرير الصفقات للنافذين".

التفاف على الرفض الشعبي وعقود تحت الستار

وأفادت مصادر محلية بمحافظة إب بإنعاش العمل مجدداً في المساحة الاستراتيجية الواقعة بمنطقة "مفرق جبلة" عند المدخل الجنوبي للمدينة، بعد نحو عامين من تجميده تحت ضغط سخط شعبي وإعلامي. وأوضحت المصادر أن قيادات حوثية عادت هذه المرة بإعادة تحريك المشروع عبر صيغة جديدة تتمثل في "عقد تأجير طويل الأجل"، بهدف إسباغ صبغة قانونية على نقل ملكية وتصرف الموقع المقدر قيمته السوقية بمليارات الريالات.

وتؤكد المعلومات المقاطعة أن الموقع كان قد قُدّم قبل نحو عامين كفرصة استثمارية للتاجر والقيادي النافذ في الجماعة فارس مناع، قبل أن تضطر سلطات الأمر الواقع لتجميد القرار مؤقتاً. وتصاعدت الاتهامات اليوم مع دخول شخصيات ذات نفوذ وثيق بالمجموعات القيادية العليا للجماعة، وعلى رأسهم أحمد حمران (صهر زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي)، مما أثار تساؤلات حادة حول غياب معايير الشفافية وحماية المال العام.

اعتراضات سياسية: "أين المنافسة الشفافة؟"

ولم تتوقف حالة الرفض عند حدود منصات التواصل الاجتماعي والنشطاء الميدانيين، بل امتدت إلى مواقف قيادات سياسية في المحافظة؛ حيث انتقد الشيخ عقيل فاضل، رئيس فرع حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة إب، استمرار تسليم أصول المحافظة لشخصيات محددة بعيداً عن أطر المنافسة القانونية والتجاريّة المفتوحة.

وفي منشور علني، حذر فاضل من استمرار عملية تقاسم الممتلكات العامة واعتبار أصول الدولة "غنائم" تُمنح للمقربين من دوائر النفوذ، متسائلاً عن المصير الذي آلت إليه أراضٍ ومواقع استراتيجية أخرى في المحافظة تم التفريط بها بطرق مماثلة، مثل "حديقة المحمول" و"منتجع بن لادن". وشدد على أن أجهزة الدولة ملزمة بطرح العقارات والمواقع العامة عبر مناقصات ومزايدات علنية تضمن أعلى عائد للمالية العامة وتضمن تكافؤ الفرص، بدلاً من أسلوب الإسناد المباشر.

حرمان الساكنة المحلية من المتنفسات الوحيدة

على الصعيد الاجتماعي والخدمي، يعبر سكان مدينة إب عن خيبة أملهم جراء تحويل المساحة الاستراتيجية لمعسكر الأمن المركزي السابق إلى مجمع تجاري خاص، في وقت تعاني فيه المدينة المكتظة بالسكان والمُهجرين من انعدام شبه تام للحدائق والمنتزهات العامة.

ويؤكد عدد من أهالي المنطقة أن الأرض كان يفترض تخصيصها كـ "متنزه عام مجاني" يخدم أبناء المحافظة والزائرين، لا سيما في ظل الطبيعة السياحية لمدينة إب ومحدودية الفضاءات العامة المفتوحة؛ مما يجعل من خصخصة هذه الأراضي سلبًا مباشرًا لحقوق المواطنين وحرمانًا لهم من المساحات الخدمية.

سلسلة مصادرات تمتد إلى الأوقاف والمقابر

ولا تُعد قضية معسكر الأمن المركزي حدثاً معزولاً، بل تأتي ضمن نمط متصاعد وسلسلة إجراءات شملت الاستيلاء على العديد من الأعيان والمرافق العامة والأوقاف في إب؛ إذ تتهم مصادر محلية ووثائق تابعة للهيئة العامة للأراضي (الخاضعة لسيطرة الجماعة) بالاعتداء على "مقبرة المحادب" عبر استحداث شارع عام وتدمير سورها، فضلاً عن اقتطاع وتجريف أراضٍ تابعة لجامع "سائلة جبلة".

مفارقة شعارات الكسب ومخاطر الاقتصاد الموازي

ويرى مراقبون اقتصاديون وسياسيون أن قضية الاستيلاء على أملاك الدولة في إب تكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب السياسي للجماعة بشأن "مكافحة الفساد وحماية أصول الدولة"، وبين الواقع الميداني الذي ينشئ منظومة اقتصاد موازية تعتمد على إعادة توزيع الأراضي والعقارات الحكومية لصالح شبكات النفوذ والمال المرتبطة بالسلطة.

وتزداد الخطورة مع غياب أجهزة الرقابة والمحاسبة المستقلة، إذ تحولت عمليات السيطرة على الأراضي والأوقاف إلى أداة لتثبيت النفوذ الاقتصادي وتجميع الثروات، على حساب تدمير البنية التحتية وتجريد المحافظات من أصولها السيادية التي تُعد ملكاً للأجيال القادمة.