السودان ساحة جديدة للنفوذ الإيراني.. الحوثيون كحلقة وصل في نقل الخبرات العسكرية
تشير تقارير دولية إلى تحول استراتيجي في نموذج تصدير الخبرات العسكرية الإيرانية، حيث أصبح السودان ساحة جديدة لهذا النشاط، مع بروز جماعة الحوثي كحلقة وصل محتملة في نقل التكنولوجيا والتدريب العسكري إلى فصائل سودانية متحالفة مع الجيش. هذا التطور يفاقم المخاوف من تزايد النفوذ الإيراني في منطقة البحر الأحمر وشرق أفريقيا، ويعزز من احتمالية تحول السودان إلى مركز لتوطين السلاح والتكنولوجيا العسكرية.
تتزايد التحذيرات الدولية والإقليمية من الكلفة الباهظة التي يدفعها الشعب السوداني جراء الائتلاف العسكري والسياسي بين قيادة الجيش والجماعات الإسلامية المرتبطة بنظام عمر البشير السابق. أدى التحالف المتنامي مع إيران ووكلائها في المنطقة، وفي مقدمتهم الميليشيا الحوثية، إلى تحويل الأراضي السودانية إلى ساحة للصراعات الدولية ومورد للسلاح والتدريب العابر للحدود، مما يفاقم الدمار الداخلي ويفرض عزلة دولية على البلاد.
تكشف تقارير دولية، منها ما نشرته مجلة "فورين أفيرز" ونقلته "سكاي نيوز عربية"، عن اتساع نطاق التعاون العسكري بين إيران وأطراف سودانية مرتبطة بالإخوان المسلمين. ولا يقتصر هذا التعاون على وصول أسلحة وطائرات مسيّرة إيرانية الصنع إلى السودان، بل يمتد إلى نقل الخبرات والتقنيات العسكرية وتدريب فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش السوداني. وتشير المعلومات إلى أن جماعة الحوثي أصبحت جزءاً من شبكة أوسع لنقل الأسلحة والخبرات التي طورتها بدعم إيراني إلى جماعات مسلحة خارج اليمن، مع بروز السودان كإحدى ساحات هذا النشاط.
وفقاً للتقارير، تلقّت فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش السوداني تدريبات على تصنيع واستخدام الطائرات المسيّرة، بمشاركة عناصر حوثية وأخرى مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. وتعود جذور العلاقة بين التيار الإسلامي السوداني وإيران إلى عقود سابقة، حيث شهد عهد الرئيس عمر البشير تعاوناً واسعاً بين الخرطوم وطهران. ورغم قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2016، تشير التقارير إلى أن اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023 أتاح إعادة تنشيط قنوات اتصال قديمة. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع عودة شخصيات وشبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية إلى المشهد العسكري.
يبدو أن التطور الأبرز في العلاقة الإيرانية السودانية لا يتعلق فقط باستيراد الأسلحة الجاهزة، بل بمحاولة نقل القدرة على تصنيعها واستخدامها محلياً. ويرصد خبراء الأسلحة تشابهاً كبيراً بين الطائرة المسيّرة السودانية "سفروق" والطائرة الإيرانية "أبابيل". وتزداد أهمية هذه المقارنة في ضوء امتلاك الحوثيين خبرة في تصنيع طائرات مشتقة من التكنولوجيا الإيرانية. ويرى مركز "الحل" أن التشابه التقني، إلى جانب المعلومات المتعلقة بوجود مدربين حوثيين وعناصر إيرانية في السودان، يثير احتمال انتقال الخبرات التي راكمها الحوثيون في اليمن إلى فصائل سودانية متحالفة مع الجيش. وبذلك، لا تظهر الحركات الإسلامية كجهات تستقبل الأسلحة فحسب، بل كطرف يرتبط بشبكات عسكرية وسياسية تمتلك قنوات اتصال وقدرة على تحريك المقاتلين وتوفير البنية اللازمة لاستيعاب الدعم العسكري.
وفقاً لـ "فورين أفيرز"، يمثل هذا التحول تطوراً في نموذج النفوذ الإيراني؛ فبدلاً من اعتماد طهران دائماً على نقل الأسلحة والخبراء بصورة مباشرة، يمكن للجماعات التي تلقت التدريب الإيراني أن تقوم بدورها بتقديم التدريب والخبرة لجماعات أخرى. وفي الحالة السودانية، فإن الحوثيين يمثلون حلقة محتملة بين إيران والفصائل الإسلامية المسلحة المتحالفة مع الجيش، خصوصاً في مجالات الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية منخفضة التكلفة. ولا تتوقف التقارير عند مسألة التدريب، إذ تحدثت معلومات استخباراتية عن استخدام شبكات تهريب عابرة للحدود لنقل تكنولوجيا عسكرية إيرانية إلى جماعات مسلحة في السودان مرتبطة بالإخوان، مع استخدام مواقع ساحلية وجزر قريبة من السواحل الإريترية كمحطات مؤقتة لتخزين الأسلحة والمكونات العسكرية قبل نقلها إلى السودان. وفي هذا السياق، تصبح بورتسودان ذات أهمية استراتيجية مزدوجة.
يثير انتقال التكنولوجيا العسكرية إلى الفصائل الإسلامية مخاوف تتجاوز الحرب الحالية. فالحصول على القدرة على تصنيع الطائرات المسيّرة أو تطويرها يمنح الجماعات المسلحة قدرة مستقلة يصعب تفكيكها في مرحلة ما بعد الحرب. ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بوصول شحنة سلاح من إيران إلى السودان، بل باحتمال نشوء بنية عسكرية مرتبطة بشبكات الإسلاميين وقادرة على إنتاج واستخدام التكنولوجيا العسكرية محلياً. وفي حال استمرار هذا المسار، قد يتحول السودان من مجرد ساحة لتلقي الأسلحة الإيرانية إلى حلقة جديدة في شبكة إقليمية لنقل السلاح والتكنولوجيا والخبرات بين إيران ووكلائها وحلفائها، مروراً باليمن ووصولاً إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

