انسحاب برنامج الغذاء العالمي من مناطق سيطرة الحوثيين يكشف تعميد عسكرة المساعدات
أثار قرار برنامج الغذاء العالمي (WFP) إنهاء عقود موظفيه المحليين والانسحاب الكامل من المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، دلالات تتجاوز الإجراءات الإدارية المعتادة لنقص التمويل، ليعكس فشلاً ذريعاً لنموذج التعايش بين العمل الإنساني والجماعة المسلحة التي تتبنى استراتيجية ممنهجة لعسكرة المساعدات.
يأتي هذا التوتر المتصاعد بين وكالات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها برنامج الأغذية العالمي، والجماعة المدعومة إيرانياً، نتيجة لتراكمات سنوات طويلة من محاولات المليشيا "تحويث" العمل الإنساني وتحويله إلى أداة لوجستية لدعم مجهودها الحربي عبر مسارات متعددة.
تنوعت آليات المليشيا لتحقيق هذا الهدف في ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها، الاستبدال الهيكلي عبر فرض منظمات محلية تابعة لها كوسيط تنفيذي لضمان تحويل مسار المساعدات من المستحقين الفعليين إلى الأكثر ولاءً للجماعة. وثانياً، اختراق الكوادر عبر فرض تعيين عناصرها في الهياكل الإدارية للمنظمات الدولية للتحكم في القرار من الداخل.
أما المحور الثالث، فقد تمثل في تدمير أدوات الرقابة، حيث جرى إقصاء شركات الرصد والتقييم المستقلة، مما أدى إلى إحداث "تعمية معلوماتية" منعت المانحين من تتبع وجهة المساعدات، وهو ما أضعف ثقة المجتمع الدولي وأدى إلى تقلص التمويل بشكل ملحوظ.
هذا النهج الممنهج لتقويض العمل الإنساني نقل العلاقة من مجرد التضييق البيروقراطي إلى الاستهداف الأمني المباشر، مما أفضى إلى الأزمة الحالية التي تشمل عسكرة السلة الغذائية، والترهيب الجسدي لموظفي البرنامج والوكالات الأخرى، وصولاً إلى الاستيلاء على أصول هذه المنظمات.
من المتوقع أن يفتح انسحاب برنامج الأغذية العالمي، من المناطق التي تضم الكثافة السكانية الأكبر تحت سيطرة المليشيا، الباب أمام سيناريوهات إنسانية قاتمة تتجاوز الجوع وصولاً إلى المجاعة، خاصة مع اعتماد مئات الآلاف من الأسر التي فقدت رواتبها على هذه المساعدات، مما قد يدفع بمؤشرات سوء التغذية إلى مستويات كارثية.
كما يحمل هذا الانسحاب مخاطر "تأثير الدومينو" بانسحاب منظمات دولية أخرى، مما قد يحول مناطق سيطرة الحوثيين إلى "ثقب أسود" معزول عن الإغاثة الدولية. ومن المرجح أن تستغل المليشيا هذا الفراغ لتعزيز شبكات الأسواق السوداء للمواد الغذائية المنهوبة، مما يزيد من إثراء قياداتها على حساب تجويع السكان.
يُعد خروج برنامج الأغذية العالمي، باعتباره الوكالة الدولية الأكثر تمويلاً للمساعدات الإنسانية، بمثابة شهادة وفاة للبيئة الإغاثية في صنعاء والمناطق المتضررة الأخرى، حيث فضلت المليشيا السيطرة المطلقة على قوت المحتاجين، محولة المنظمات الإنسانية إلى رهائن في صراع يسعى الحوثي من خلاله لتحقيق شرعية أمنية ولو كان الثمن هو إحداث مجاعة شاملة تفتك بالنسيج الاجتماعي اليمني.

