تابعنا

لغز الذقن البشرية: هل هي مجرد "بصمة" جانبية في مسار التطور؟

لغز الذقن البشرية: هل هي مجرد "بصمة" جانبية في مسار التطور؟

لطالما شكلت الذقن البشرية، ذلك النتوء العظمي المميز في الفك السفلي، لغزاً محيراً للعلماء، كونها السمة الوحيدة التي تنفرد بها البشرية بين جميع الرئيسيات، حتى أقرب أسلافنا مثل إنسان النياندرتال ودينيسوفان.

على مر السنين، طرح الباحثون تفسيرات متعددة لمحاولة فهم سبب ظهور هذه السمة، بدءاً من دورها المفترض في دعم عملية المضغ، وهو ما شكك فيه خبراء التشريح لعدم فعالية موقعها في هذا الصدد. كما تم ربطها بالكلام، حيث قيل إنها تساعد في تحمل ضغوط حركة اللسان، لكن الدراسات أوضحت أن قوى النطق العادية لا تكفي لإحداث هذا التغيير الهيكلي في عظام الجمجمة. حتى فرضية الانتقاء الجنسي التي اعتبرتها سمة جاذبة واجهت نقدًا لكونها سمة مشتركة بين الجنسين.

لكن دراسة حديثة نشرت في مجلة PLOS One قدمت رؤية مغايرة تماماً، تقودها الباحثة نورين فون كرامون تاوباديل من جامعة بافالو. هذه الدراسة تدعم "الفرضية الصفرية"، التي تفترض أن الذقن لم تتطور لغاية محددة، بل ظهرت كأثر جانبي عرضي لعمليات تطورية أخرى أثرت على بنية الجمجمة والفك السفلي.

قام الفريق بمقارنة جماجم البشر مع جماجم الرئيسيات الأخرى لاختبار ما إذا كان ظهور الذقن ناتجاً عن انتقاء طبيعي مباشر أم مجرد نتيجة ثانوية. وشبّهت الدراسة الذقن بما يُعرف في الهندسة المعمارية بـ"الفجوة" أو المساحة التي تتكون تلقائياً نتيجة بناء هيكل أساسي، مثل الفراغ الذي يظهر أسفل الدرج المكتمل، دون أن يكون مقصوداً بذاته.

تخلص النتائج إلى أن التغيرات التي أدت إلى ظهور الذقن لم تكن استهدافاً مباشراً لها، بل كانت نتيجة إعادة تشكيل لأجزاء أخرى من الفك والجمجمة خلال التطور البشري. بعبارة أخرى، الذقن البشرية قد لا تكون ميزة تطورية وظيفية، بل هي "بصمة" جانبية تركتها الطبيعة أثناء صياغة ملامح الوجه البشري المعقدة على مدى مئات الآلاف من السنين.