"صواريخ العبث" ومأزق التهميش.. قراءة في دوافع التصعيد الحوثي
تحليل:
تتجاوز الهجمات الصاروخية التي تشنها جماعة الحوثي باتجاه إسرائيل كونها مجرد "فعل عسكري"، لتكشف عن أزمة عميقة في الدور والوظيفة. فعلى الصعيد الاستراتيجي، تفتقر هذه العمليات إلى "القيمة النوعية" القادرة على تغيير موازين القوى أو فرض قواعد اشتباك جديدة، مما يضعها ضمن خانة "الاستعراض الرمزي" أو "التدخل العبثي" الذي لا يخدم معادلة الصراع بقدر ما يخدم الأجندة الإعلامية للجماعة.
1. البراغماتية الإيرانية: المقايضة بالأدوات
تُشير القراءة المتأنية للمشهد الإقليمي إلى أن طهران تدير علاقتها مع أذرعها في المنطقة بمنطق "الواقعية السياسية"؛ حيث يتم تحويل هذه الأذرع إلى أوراق تفاوضية فوق طاولة الحوار مع واشنطن والغرب. في هذا السياق، تبرز المؤشرات الآتية:
• إعادة الهيكلة الوظيفية: إيران لا تتحرك بدوافع أيديولوجية عاطفية، بل تعيد تموضع حلفائها وفقاً لمكاسبها في الملف النووي ورفع العقوبات.
• خارج الحسابات المركزية: يبدو أن الحوثيين باتوا يدركون أن موقعهم في "سُلّم الأولويات" الإيراني أقل حيوية مقارنة بساحات أخرى، مما جعلهم في وضع "القابل للاستبدال" أو التهميش المؤقت لخدمة تفاهمات كبرى.
2. التصعيد كـ "صرخة لإثبات الحضور"
يمكن قراءة الإصرار الحوثي على استهداف العمق الإسرائيلي (رغم ضعف الأثر المادي) كـ رد فعل دفاعي ضد التهميش السياسي. الجماعة تحاول من خلال هذه الصواريخ تحقيق هدفين:
1. استعادة القيمة الوظيفية: إرسال رسالة لطهران بأنهم "الرقم الصعب" الذي لا يمكن تجاوزه في أي صفقة إقليمية.
2. الهروب إلى الأمام: التغطية على تراجع دورهم في الاستراتيجية الإيرانية عبر المزايدة في ملف "محور المقاومة".
3. صراع الأدوار: الحلم الحوثي مقابل الحدود الإيرانية
تكمن العقدة الأساسية في أن جماعة الحوثي باتت تطمح للعب دور إقليمي يتجاوز "المساحة المحددة" لها من قبل "الملالي" في طهران. هذا التباين بين طموح الجماعة المتضخم وبين الدور الوظيفي المحدود الذي رسمته لها إيران، يجعل من تحركات الحوثي نوعاً من التمرد الصامت أو المحاولة البائسة لفرض الذات على طاولة الكبار.
الخلاصة:
إن الفاعلين من غير الدول، كجماعة الحوثي، يظلون في نهاية المطاف "أدوات ظرفية" في لعبة التوازنات الكبرى. وما نراه اليوم ليس تعبيراً عن قوة، بل هو انعكاس لـ قلق التهميش؛ حيث يحاول الحوثي تسويق نفسه كقوة عابرة للحدود، في حين أن الواقع السياسي يؤكد أن قراره يبقى رهينة لتفاهمات دولية وإقليمية تتجاوز أحلامه بكثير.

