تابعنا

حلم الامبراطورية | صواريخ "الهروب إلى الأمام": هل يبحث الحوثي عن دور ضائع في الأجندة الإيرانية | المقامرة بالسلام  وعسكرة الجغرافيا

حلم الامبراطورية | صواريخ "الهروب إلى الأمام": هل يبحث الحوثي عن دور ضائع في الأجندة الإيرانية | المقامرة بالسلام وعسكرة الجغرافيا

في القراءة الهادئة لمسار التصعيد العسكري الذي تنتهجه جماعة الحوثي تجاه إسرائيل، نجد أننا أمام ظاهرة تتجاوز في أبعادها "الفعل العسكري" المباشر لتستقر في مربع "الاستعراض السياسي". إن الإطلاقات الصاروخية الحوثية، بالنظر إلى نتائجها الميدانية المحدودة، لا تبدو كفعل يسعى لتغيير موازين القوى بقدر ما هي محاولة بائسة لترميم صورة "الدور الوظيفي" الذي بدأ يتآكل تحت وطأة التفاهمات الكبرى.

الاستعراض الرمزي ومأزق الجدوى

تفتقر العمليات الحوثية إلى "الأثر الاستراتيجي" القادر على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة. إنها تندرج ضمن مفهوم "التدخل العبثي"؛ فهي صواريخ موجهة للداخل اليمني وللجمهور الإقليمي كأداة خطابية، أكثر مما هي موجهة لردع الخصم. هذا السلوك يعكس رغبة محمومة في "إعادة التموضع" داخل سردية محور المقاومة، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن هذا المحور يدار بعقل بارد لا يتردد في التضحية بالأدوات الصغرى.

البراغماتية الإيرانية: المقايضة بالأتباع

لا يمكن قراءة التحرك الحوثي بمعزل عن "المايسترو" الإيراني، الذي يتعامل مع أذرعه بمنطق "الواقعية التفاوضية". المؤشرات الحالية تؤكد أن طهران تعيد هيكلة أدوار حلفائها وفقاً لبوصلة مصالحها مع واشنطن، وليس وفقاً للشعارات الأيديولوجية.

• الحوثي في قائمة الانتظار: يبدو أن الجماعة وجدت نفسها مؤخراً خارج دائرة الحسابات المركزية الإيرانية، أو على الأقل كـ "ورقة ثانوية" يمكن استبدالها أو تجميدها مقابل مكاسب في ملفات أكثر حيوية لطهران (مثل الملف النووي أو النفوذ في الهلال الخصيب).

صرخة التهميش ومحاولة إثبات الذات

من هنا، يمكن تفسير هذا التصعيد الحوثي بأنه "صرخة احتجاج سياسية" ضد التهميش. الجماعة تشعر بـ "قلق الوجود" بعد إدراكها تراجع موقعها في الاستراتيجية الإيرانية الشاملة، فتحاول من خلال هذه المغامرات الصاروخية:

1. فرض الحضور: إقناع طهران بأن تجاوز الحوثيين في أي تسوية إقليمية سيكون له ثمن.

2. تضخيم الدور: محاولة انتزاع دور إقليمي يتجاوز "الحجم الطبيعي" الذي رسمته لهم طهران كأداة لإزعاج الجوار لا كلاعب دولي.

الخلاصة

إن المشهد الختامي يؤكد حقيقة تاريخية: الفاعلون من غير الدول يظلون أدوات ظرفية في صراع الكبار. الحوثي اليوم يعيش صراعاً بين "أحلام التوسع" التي يغذيها الوهم، وبين "الواقعية السياسية" التي تفرضها إيران. إنه يحلم بدور أكبر من "السيناريو" الذي وضعه له الملالي، مما يجعله في مواجهة مباشرة مع حقيقة كونه مجرد رقم في معادلة إيرانية قابلة للمحو في أي لحظة تفاوضية جادة.

المقامرة بالسلام: التداعيات على المشهد اليمني الداخلي

لا يتوقف أثر هذه "الصواريخ الاستعراضية" عند حدود الرسائل الإقليمية، بل يمتد ليضرب عمق المسار السياسي في اليمن. إن إصرار الحوثي على تقمص دور "اللاعب العابر للحدود" يضع مستقبل السلام اليمني في مهب الريح، وذلك من خلال عدة محاور:

تقويض الثقة والضمانات: إن تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة لاستهداف الممرات المائية الدولية والعمق الإقليمي ينسف فكرة الحوثي كـ "شريك محلي" موثوق. هذا السلوك يعزز القناعة لدى الأطراف الدولية والإقليمية بأن الجماعة لا تملك قرارها السيادي، وأن أي اتفاق سلام معها قد ينهار عند أول إشارة تصعيد من طهران.

هروب من الاستحقاقات الداخلية: يمثل التصعيد الخارجي وسيلة حوثية مثالية للهروب من ضغوط الشارع اليمني المتزايدة (رواتب، خدمات، انفجار سكاني). الجماعة تتبنى استراتيجية "صوت المعركة يعلو فوق كل صوت" لتكميم الأفواه وتأجيل أي استحقاق سياسي أو معيشي داخلي، مما يجعل السلام بالنسبة لها "مأزقاً" لا بد من الهروب منه نحو "الحروب الرمزية".

عسكرة الجغرافيا اليمنية: من خلال هذه العمليات، يمنح الحوثي المبرر للمجتمع الدولي لإبقاء اليمن تحت طائلة العقوبات والرقابة العسكرية المشددة. هذا التموضع لا يخدم اليمن، بل يحوله إلى "صندوق بريد" لرسائل إيران، مما يجعل الملف اليمني رهينة في يد القوى الدولية بدلاً من أن يكون شأناً وطنياً يسعى للاستقرار.

حلم "الإمبراطورية" واصطدام الواقع

في نهاية المطاف، يجد الحوثي نفسه في "مأزق طموح" يتجاوز قدراته. فبينما يحلم الجماعة بدور إقليمي "إمبراطوري" يتخطى حدود الجغرافيا اليمنية، تصر طهران على إبقائهم في خانة "الأداة الوظيفية" القابلة للمقايضة.

إن الاستمرار في هذا النهج يعني أن الحوثي يضحي بفرص السلام المستدام في اليمن مقابل "سراب" الدور الإقليمي. وبذلك، تظل صواريخه مجرد ضجيج في سماء المنطقة، لكنها تترك ندوباً عميقة في جسد الوطن اليمني، مؤكدة أن الجماعة تفضل أن تكون "بيدقاً" قوياً في رقعة شطرنج إيرانية، على أن تكون "شريكاً" حقيقياً في بناء دولة يمنية مستقرة.