تابعنا

حكومة "تحت الأرض" و دولة "الأقبية" الموازية: لماذا يخشى الحوثيون إعلان حكومة جديدة؟.. الثقب الأسود يبتلع المؤسسات الرسمية لصالح "نظام المشرفين"

حكومة "تحت الأرض" و دولة "الأقبية" الموازية: لماذا يخشى الحوثيون إعلان حكومة جديدة؟.. الثقب الأسود يبتلع المؤسسات الرسمية لصالح "نظام المشرفين"

تحليل إخباري

بعد مضي ثمانية أشهر على الضربة الجوية المسددة التي استهدفت قلب "المربع الأمني" في صنعاء، وأدت إلى تصفية رئيس حكومة الانقلاب وعدد من وزرائه، لا يزال الفراغ الدستوري والإداري سيد الموقف لدى مليشيا الحوثي الإرهابية. هذا العجز عن التشكيل ليس مجرد "أزمة حقائب" أو تعثر في الاختيار، بل هو قرار استراتيجي يكرس نمط الحكم الذي تفضله الجماعة: "واجهة هشة لسلطة خفية مطلقة".

تلاشي أوهام "التغيير الجذري"

حين أطلقت المليشيا شعار "التغيير الجذري" ووعود "حكومة الكفاءات"، لم تكن تسعى لتفعيل مؤسسات الدولة، بل كانت تمارس عملية "تخدير سياسي" لامتصاص السخط الشعبي. اليوم، ذابت تلك الوعود وتكشف الزيف؛ فالبنية السلالية للجماعة ترى في وجود حكومة قوية ومنظمة "تهديداً" لمرونة تحرك الأذرع الأمنية والميدانية المرتبطة مباشرة بكهوف "مران".

جمهورية "المشرفين": السلطة الحقيقية خلف الستار

تؤكد مصادر سياسية في صنعاء أن الجماعة نجحت في إحلال نظام "المشرفين" كبديل كامل للدولة. هذا النظام الذي توحش عقب تصفية الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح في 2017، حوّل الوزراء والمحافظين إلى مجرد "ديكورات إدارية" لتمرير القرارات، بينما تدار الموارد والقرارات السيادية عبر شبكة معقدة تتبع مكتب زعيم الجماعة مباشرة.

المسؤول الرسمي: واجهة لتلقي اللوم الشعبي وتحمل تبعات الفشل.

المشرف الخفي: الحاكم الفعلي الذي يمتلك مفاتيح المال والقوة.

تسيير الأعمال.. شرعنة "الفوضى المنظمة"

الاكتفاء بتكليف "محمد مفتاح" بتسيير الأعمال وتعيين "قائمين بالأعمال" في الوزارات المبتورة، يعكس حقيقة أن الجماعة لا تحتاج لحكومة؛ فالسلطة الحقيقية حُصرت في الدوائر الأمنية والعسكرية. القائم بالأعمال في عرف الحوثي هو "ساعي بريد" إداري، وظيفته التوقيع على ما تمليه "اللجان الثورية" والأجهزة الاستخباراتية.

حكومة "تحت الأرض": الإدارة بالوسطاء

على الصعيد الميداني، انتقل ما تبقى من هيكل "الحكومة" إلى الأقبية والمواقع السرية. فمنذ اختراق اجتماع 28 أغسطس الماضي، فرض جهاز "الأمن الوقائي" عزلة تامة على المسؤولين:

التواصل البدائي: المعاملات الحكومية تُنقل عبر "وسطاء موثوقين" وأقارب يتنقلون بين مواقع مجهولة.

غياب المؤسسية: القنوات الرسمية معطلة، والقرار يصدر من "غرف مظلمة" ثم يُرمى للمؤسسات للتنفيذ القسري.

العزلة عن الواقع: القيود الصارمة على التنقل جعلت المسؤولين في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، وهو ما تجلى في الزيارات السرية الخاطفة لمحافظات مثل "إب"، والتي قوبلت بسخرية واسعة كونها زيارات "شبحية" لا تلامس أنين المواطن المسحوق.

الخلاصة: الهروب من الدولة إلى "العصابة"

إن تعثر تشكيل الحكومة الحوثية ليس فشلاً تقنياً، بل هو نجاح في مشروع "اللادولة". المليشيا تدرك أن المؤسسات تعني "رقابة ومحاسبة وقوانين"، بينما "الأقبية والمشرفون" تعني "نهباً مفتوحاً وقمعاً بلا أثر". وبذلك، يظل الوضع الراهن هو الحالة المثالية للمليشيا: إدارة البلاد بعقلية "العصابة المختبئة" التي تنهب موارد الدولة دون أن تتحمل مسؤولية توفير رغيف الخبز لليمنيين.

ستبقى صنعاء تحت رحمة هذا "التيه الإداري" طالما ظلت سلطة "المشرف" تعلو فوق سلطة "القانون"، وطالما بقي "القبو" هو المقر الحقيقي لصناعة القرار.