حين تبتلع "القيادات" سوق الصاغة | ملاذ اليمنيين الأخير في فخ "النحاس".. كيف حولت مليشيا الحوثي بريق الذهب إلى أداة لنهب المدخرات؟
خاص | استقصاء
في ظل الانهيار المتسارع للعملة الوطنية وتآكل القوة الشرائية، لم يبقَ لليمنيين من جدار يستندون إليه سوى "المعدن الأصفر". لكن هذا الملاذ الأخير تحول في العاصمة المختطفة صنعاء ومناطق سيطرة مليشيا الحوثي إلى "فخ" مُحكم؛ حيث تلاشت القيمة الحقيقية للذهب تحت وطأة الغش الممنهج والاحتيال المنظم الذي ترعاه هوامير نفوذ تابعة للجماعة، ليجد المواطن نفسه أمام "خديعة كبرى" تبتلع مدخرات العمر.
غش الذهب.. حين تبتلع "القيادات" سوق الصاغة
لم يعد سوق الذهب في صنعاء يخضع لمعايير العرض والطلب أو الرقابة المهنية، بل بات محكوماً بـ "نفوذ السلاح". وتكشف مصادر مطلعة لـ "نيوز ماكس1" عن تنامي ظاهرة "محلات النفوذ"، وهي كيانات تجارية مرتبطة مباشرة بقيادات حوثية رفيعة. هذا الارتباط وفر حصانة مطلقة لهذه المحلات، جعلتها فوق المساءلة القانونية، ومكنها من تمرير كميات ضخمة من الذهب "المغشوش" الذي تم خلطه بنسب عالية من النحاس ومعادن رخيصة، مع دمغها بعيارات وهمية (عيار 21).
صدمة "العيارات الوهمية" وعزلة الذهب اليمني
الأزمة لم تعد حبيسة الجدران المحلية، بل تحولت إلى فضيحة اقتصادية عابرة للحدود. حيث اصطدم يمنيون مغتربون ومسافرون بحقيقة صادمة عند محاولتهم بيع مصوغاتهم في أسواق الخليج والخارج؛ إذ كشفت أجهزة الفحص الدقيق هناك أن "الذهب الحوثي" يفتقر للنقاوة المطلوبة، وأن عياراته الفعلية تقل بكثير عما هو مدون في الفواتير المحلية، مما أدى إلى رفض شرائه أو تقييمه كـ "خردة معادن"، وهو ما يهدد بعزل سوق الذهب اليمني تماماً عن المنظومة الدولية.
هندسة الاحتيال: كيف يُسرق المواطن مرتين؟
يواجه المستهلك اليمني عملية استنزاف مزدوجة تبدأ من لحظة الشراء وتنتهي عند البيع:
1. خديعة الوزن المدمج: عند الشراء، يُجبر المواطن على دفع قيمة "الفصوص" والإضافات غير الذهبية بسعر جرام الذهب الخالص، بالإضافة إلى "مصنعية" مبالغ فيها تحت ذريعة الاستيراد.
2. مجزرة "الكسر": عند اضطرار المواطن للبيع، تُمارس المحلات سياسة "التطهير"، حيث تُنتزع تلك الإضافات ويُخسف بالسعر الأرض، ويُحسب وزن الذهب الصافي فقط، ما يعني خسارة فورية تتجاوز في كثير من الأحيان 30% من القيمة الإجمالية.
شهادة من الواقع: تروي "أم أيمن" تجربتها بمرارة، مؤكدة أن غياب توحيد معايير التسعير والوزن جعل من محلات الذهب "غابة" يغيب فيها الضمير ويحضر الجشع، حيث تختلف قيمة القطعة الواحدة بين محل وآخر بفوارق شاسعة لا يبررها سوى الرغبة في نهب المشتري.
اقتصاد الحرب.. البيئة المثالية للتدليس
يرى مراقبون أن ما يحدث هو نتاج طبيعي لـ "اقتصاد الظل" الذي تديره المليشيا. فمع انقسام المؤسسات المالية واضطراب أسعار الصرف، اندفع الناس نحو الذهب كخيار وحيد للحفاظ على قيمة أموالهم. هذا الإقبال الكثيف خلق "فوضى منظمة" استغلها تجار طفيليون مدعومون حوثياً، لضخ سبائك ومصوغات منخفضة الجودة، مستفيدين من تعمد تعطيل المختبرات المركزية للدمغ والمقاييس وتهميش الكوادر الوطنية الخبيرة.
ناقوس خطر: انهيار الثقة وتعميق الفقر
إن استمرار هذا الانفلات الرقابي يضع الاقتصاد اليمني أمام تداعيات كارثية، أبرزها:
• فقدان الثقة الكلية: عزوف المواطنين عن الادخار بالذهب، ما يسرع من وتيرة انهيار الثروات الشخصية.
• الركود الشامل: تضرر التجار الشرفاء الذين يرفضون الانخراط في موجة الغش أمام منافسة غير عادلة من محلات النفوذ.
• استنزاف المدخرات: تحول مدخرات الأسر إلى "نحاس" لا قيمة له، مما يرفع معدلات الفقر عند وقوع الأزمات التي تستدعي تسييل الذهب.
روشتة الإنقاذ: ما العمل؟
يرى خبراء الاقتصاد أن الحل يبدأ من "تحرير" سوق الذهب من قبضة المليشيا، وعبر خطوات عاجلة تشمل:
• إعادة تفعيل أجهزة الرقابة والمقاييس وتزويدها بتقنيات فحص الليزر والأشعة السينية (XRF).
• إلزام المحلات بـ فواتير إلكترونية موحدة توضح الوزن الصافي والعيار الحقيقي بدقة.
• إطلاق حملات توعية واسعة للمواطنين لتمكينهم من كشف طرق الغش التقليدية والمطالبة بحقوقهم القانونية.
الخلاصة:
لقد تحول الذهب في مناطق سيطرة الحوثي من "زينة وخزينة" إلى "وسيلة نهب واستنزاف". إنها جريمة اقتصادية مكتملة الأركان، ضحيتها المواطن المطحون، وبطلها نفوذ يسعى

