تابعنا

العاصمة التي تلتهم مدخراتها | نزيف "الأموال الجبانة": كيف حولت مقصلة الجبايات الحوثية صنعاء من حوض استثماري إلى بيئة طاردة؟

العاصمة التي تلتهم مدخراتها | نزيف "الأموال الجبانة": كيف حولت مقصلة الجبايات الحوثية صنعاء من حوض استثماري إلى بيئة طاردة؟

لم يعد رأس المال في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية يبحث عن "الربح" أو "التوسع"، بل بات يخوض معركة وجودية عنوانها "النجاة"؛ ففي ظل نظام "الغنائم" الذي تنتهجه المليشيا، تحولت الضرائب من أداة لبناء الدولة إلى مقصلة لاستنزاف المدخرات، ما دفع برؤوس الأموال الكبرى للهجرة القسرية، تاركة خلفها اقتصاداً يترنح في قاع الفساد الممنهج.

صنعاء.. العاصمة التي تلتهم مدخراتها

تشهد صنعاء والمناطق المختطفة موجة نزوح تاريخية للقطاع الخاص؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على تجار التجزئة، بل امتد لضرب الركائز الصناعية الكبرى. ويؤكد مراقبون أن المليشيا تعتمد سياسة "تفريغ المركز"، محولةً المناطق الإنتاجية إلى مجرد أسواق استهلاكية تعتمد كلياً على الاستيراد الذي تسيطر عليه قيادات سلالية، ما يفاقم الاختلالات الهيكلية ويقضي على أي أمل في التعافي المستقبلي.

قصة "محمد سعيد": من الصناعة إلى "قرار النجاة"

تجسد تجربة رجل الأعمال محمد سعيد، مالك مصنع للأكياس البلاستيكية، مأساة المستثمر اليمني؛ فقد وجد نفسه مضطرًا لنقل استثماراته من صنعاء إلى مدينة تعز. لم تكن هذه الخطوة رغبة في المنافسة، بل كانت "فراراً من الجحيم الضريبي".

وفال سعيد ": "كنا ندفع 7 ملايين ريال سنوياً، لكن الكارثة ليست في المبلغ، بل في الفوضى؛ تعدد الجهات الجابية، وغياب القانون، والابتزاز الذي لا ينتهي، جعل التخطيط المالي ضرباً من المستحيل".

هندسة الابتزاز: ضرائب عشوائية ومسميات طائفية

لا تكتفي المليشيا بالضرائب القانونية، بل استحدثت "منظومة جباية موازية" تحت مسميات طائفية ومجهود حربي ورسوم تحسين وهمية. هذا الاستنزاف لا يرهق التاجر فحسب، بل يضرب المستهلك في مقتله عبر رفع كلفة السلع وإضعاف القدرة التنافسية للمنتج المحلي لصالح بضائع المليشيا المهربة.

لقد تحولت بيئة الأعمال في صنعاء إلى "حقل ألغام" مالي، حيث تُفرض المبالغ دون سند قانوني، وغالباً ما تأتي بشكل مفاجئ يربك الحسابات ويستنزف الموارد التشغيلية، مما يدفع المنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو الإفلاس الحتمي.

تعز.. ملاذ "الوضوح" رغم التحديات

في المقابل، تبرز المناطق المحررة في تعز كبيئة أكثر مرونة ووضوحاً. ويؤكد "سعيد" أن الانتقال وفر له حداً أدنى من "الاستقرار التشريعي"؛ فالرسوم محددة والإجراءات الإدارية واضحة، ما سمح لمصنعه بإعادة بناء دورة الإنتاج. ورغم ضعف البنية التحتية في تعز، إلا أن "غياب الابتزاز المليشاوي" جعلها جنة للمستثمرين الهاربين من جحيم الحوثي.

جمرك "الحوبان": النقطة السوداء والفساد الموثق

لا تنتهي معاناة التاجر بمجرد خروجه من مناطق المليشيا، بل تلاحقه في المعابر؛ حيث تحول منفذ "الحوبان" إلى بؤرة للنهب المنظم. تكشف التفاصيل أن المليشيا تفرض مليوناً و200 ألف ريال على كل شاحنة، يتم توثيق أقل من نصفها رسمياً، بينما يذهب الباقي كـ "إتاوات" لجيوب المشرفين والقادة، فيما يشبه "القرصنة البرية". هذه الرسوم المزدوجة ترفع كلفة المنتج وتحد من انتشاره، وتجعل التاجر اليمني يدفع ثمن "الانقسام المالي" مرتين.

الخلاصة: استثمار الفرصة في المناطق المحررة

يرى خبراء اقتصاديون أن ما يمارسه الحوثي هو "انتحار اقتصادي" سيؤدي في النهاية إلى تآكل القاعدة الضريبية التي يعيش عليها. وفي المقابل، تقع على عاتق الحكومة الشرعية مسؤولية تاريخية لاستثمار هذا النزوح عبر:

1. تبسيط الإجراءات: خلق "نافذة واحدة" للمستثمرين الفارين.

2. الحماية القانونية: توفير ضمانات تمنع أي تداخل في الصلاحيات.

3. تطوير البنية التحتية: تحسين خدمات الكهرباء والطرق في تعز والمناطق المحررة لاستيعاب الكتلة الصناعية النازحة.

إن هجرة رأس المال اليمني اليوم هي صرخة استغاثة ضد نظام الجباية؛ فالاقتصاد لا ينمو في بيئة الابتزاز، والسيادة التي تدعيها المليشيا تسقط عند أول "إيصال جباية" غير قانوني يمزق أرزاق اليمنيين.