سياسة "التأميم الناعم"| هندسة "الاقتصاد الموازي": كيف يحوّل الحوثيون شطب الوكالات التجارية إلى سلاح للابتزاز والإحلال؟
خاص - تحليل اقتصادي : في خطوةٍ تكرّس نهج "التجريف الاقتصادي" وتضييق الخناق على ما تبقى من أعمدة القطاع الخاص، صعّدت جماعة الحوثي من ضغوطها عبر توظيف الأدوات الإدارية كأدوات قمع مالي، محوّلةً قرارات "شطب الوكالات" إلى آلية لابتزاز المستثمرين وإعادة هندسة السوق لصالح شبكات نفوذ طفيلية موالية لها.
مجزرة الوكالات: شطبٌ عشوائي بذرائع تنظيمية
أقدمت ما تسمى بـ "وزارة الاقتصاد والصناعة" في صنعاء، مطلع أبريل الجاري، على اتخاذ قرارٍ وصفه خبراء بـ "المجزرة الاقتصادية"، قضى بشطب 4,225 وكالة تجارية (محلية، إقليمية، ودولية). هذا القرار، الذي افتقر لأي استناد قانوني شفاف أو معايير فنية واضحة، لم يكن سوى طلقة تحذيرية استهدفت كيانات تجارية ضاربة في القدم، لزعزعة استقرارها القانوني والميداني.
ستار "تصحيح الأوضاع": مهلة للابتزاز لا للإصلاح
بعد موجة من التنديد والاستياء في أوساط مجتمع المال والأعمال، تراجعت الجماعة تكتيكياً بمنح مهلة "90 يوماً" لما أسمته "تصحيح الأوضاع". وبحسب مراقبين اقتصاديين، فإن هذه المهلة ليست إلا "فخاً مالياً":
• فرض الجبايات: مقايضة التراجع عن الشطب بدفع مبالغ طائلة ورسوم غير قانونية.
• ليّ الذراع: إجبار الشركات على الخضوع لإملاءات إدارية وسياسية مقابل استمرار نشاطها.
إعادة هيكلة السوق: إقصاء "البيوت العريقة" لصالح "الوكلاء الجدد"
لا تنفصل هذه الإجراءات عن مخطط أوسع يهدف إلى إحلال طبقة تجارية جديدة تدين بالولاء للجماعة. ومن خلال تفكيك الوكالات القائمة، تسعى الجماعة إلى:
1. السيطرة على الاستيراد: نقل حقوق الوكالات من البيوت التجارية التقليدية إلى شركات واجهة تابعة لها.
2. الاحتكار الكلي: التحكم المطلق في سلاسل الإمداد، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الأدوية والأغذية الأساسية.
3. توطين النفوذ: تحويل النشاط التجاري من قطاع خدمي تنافسي إلى مورد مالي حصري لتمويل أنشطة الجماعة.
تداعيات كارثية: من اضطراب الأسواق إلى تسريح العمالة
حذّر خبراء الاقتصاد من أن هذه السياسة "الانتحارية" ستدفع بالبيئة الاستثمارية نحو مزيد من القتامة، مخلّفةً آثاراً تتجاوز أرباح الشركات لتصل إلى لقمة عيش المواطن:
• موجات غلاء جديدة: ارتفاع كلف الاستيراد والاتاوات سينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية.
• أزمة بطالة: تهديد آلاف الوظائف في الوكالات المشطوبة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية.
• الهجرة القسرية لرؤوس الأموال: تسريع وتيرة نزوح الشركات الكبرى نحو العاصمة المؤقتة عدن أو الخارج، بحثاً عن بيئة قانونية تحمي حقوق الملكية والامتيازات التجارية.
الخلاصة: سياسة "التأميم الناعم"
إن ما تشهده صنعاء اليوم ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو "تأميم ناعم" للنشاط التجاري؛ حيث تُستخدم القوانين المفرغة من محتواها لشرعنة نهب الحقوق التجارية. إن استمرار هذا النهج يهدد بانهيار ما تبقى من القطاع الخاص المنظم، واستبداله باقتصاد خفي (موازي) يفتقر للمعايير الدولية، مما يضع اليمن أمام تحديات اقتصادية هيكلية قد تستمر لعقود.
رسالة إلى المستثمر: "في ظل غياب الضمانات القانونية، تتحول الرخص التجارية في مناطق سيطرة الحوثيين من صكوك ملكية إلى أوراق للمساومة والابتزاز المفتوح."

